Islamzoom

الإسلام

قراءة القرآن الكريم وتلاوته: معالم وآداب وأحكام التجويد

القرآن الكريم عند المسلمين كلامُ الله تعالى المنزَّل على نبيّه محمد ﷺ. ولفظ «القرآن» في اللغة مصدرٌ من قرأ يقرأ، فمعناه القراءة والتلاوة: فهو كتابٌ يُقرأ ويُتلى بصوتٍ مسموع، ويُستمع إليه ويُتدبَّر. تجمع هذه الصفحة ما يحتاج إليه القارئ ليعرف كتاب الله ويُحسن تلاوته: معالم أساسية عن القرآن، وفضل قراءته، والآداب التي نقلها العلماء، ومبادئ التجويد، وأشهر القراءات والروايات، ونصائح عملية للمبتدئين.

القرآن الكريم في سطور

بحسب ما تذكره كتب السيرة، بدأ نزول الوحي سنة 610 م في شهر رمضان، حين جاء جبريلُ عليه السلام محمدًا ﷺ، وهو في نحو الأربعين من عمره، في غار حراء قرب مكة المكرمة. والقرآن نفسه يذكر أنه أُنزل في شهر رمضان: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185]، وفي ليلة القدر: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]. وأوّل ما نزل منه صدرُ سورة العلق، كما في حديث بدء الوحي الذي رواه البخاري (برقم 3):

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]

ثم تتابع نزوله مفرَّقًا بحسب الوقائع والأحداث نحو ثلاث وعشرين سنة، إلى وفاة النبي ﷺ في المدينة المنورة سنة 632 م.

  • 114 سورة متفاوتة الطول تفاوتًا كبيرًا: أطولها سورة البقرة وآياتها 286 آية، وأقصرها، كسورة الكوثر، ثلاث آيات فقط.
  • 6,236 آية بحسب العدد الكوفي، وهو المعتمد في المصاحف المطبوعة برواية حفص. وللعلماء أعدادٌ أخرى قديمة (المدني والمكي والبصري والشامي) تختلف في مواضع رؤوس الآي، فتختلف معها المجاميع اختلافًا يسيرًا، من غير أن تتغيّر كلمة واحدة من النص.
  • 30 جزءًا متقاربة الطول، ينقسم كل جزء منها إلى حزبين، وهي قسمة عملية تيسّر ختم القرآن في شهر. ويقع النص في مصحف المدينة النبوية، وهو واسع الانتشار، في 604 صفحات، أي نحو عشرين صفحة للجزء.
  • السور المكية والمدنية: بحسب التصنيف المثبت في المصاحف المتداولة، 86 سورة مكية (نزلت قبل الهجرة سنة 622 م) و28 سورة مدنية. تُعنى الأولى بتوحيد الله والبعث وقصص الأنبياء، وتتناول الثانية أكثر شؤون الجماعة والعبادات والأحكام.
  • تُفتتح كل سورة بالبسملة، إلا السورة التاسعة، سورة التوبة.

وقد نزل القرآن بلسانٍ عربي: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]. والنص العربي هو الذي يُتلى في الصلاة، أما الترجمات، على أهميتها لمن لا يعرف العربية، فهي ترجماتٌ لمعاني القرآن، وليست قرآنًا.

من الوحي إلى المصحف

في حياة النبي ﷺ حفظ القرآنَ كثيرٌ من الصحابة رضي الله عنهم، وكتبه كُتّاب الوحي، ومنهم زيد بن ثابت رضي الله عنه، على ما تيسّر من أدوات الكتابة في ذلك العصر. وكان جبريل عليه السلام يعارض النبيَّ ﷺ القرآنَ كل عام مرة، فعارضه مرتين في العام الذي قُبض فيه (رواه البخاري برقم 4998). وبعد معركة اليمامة (632-633 م) التي قُتل فيها كثير من القرّاء، كلّف الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه زيدَ بن ثابت بتتبّع القرآن وجمعه في صحفٍ واحدة (رواه البخاري برقم 4986). ونحو سنة 650 م أمر الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه بنسخ تلك الصحف في مصاحف أُرسلت إلى الأمصار الكبرى، جمعًا للناس على قراءةٍ موحّدة (رواه البخاري برقم 4987). وهذا النص، المكتوب بما يُعرف بالرسم العثماني، هو الذي تنقله المصاحف كلها اليوم. ويرى المسلمون في ذلك تحقيقًا لوعد الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].

فضل قراءة القرآن الكريم

وردت أحاديث صحيحة كثيرة في الحثّ على قراءة القرآن وتعلّمه وتعليمه، منها قول النبي ﷺ:

  • «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (رواه البخاري برقم 5027).
  • «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لاَ أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلاَمٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ» (رواه الترمذي برقم 2910، وقال: حسن صحيح).
  • «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ» (رواه مسلم برقم 804).
  • «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ» (رواه البخاري برقم 4937، ومسلم برقم 798، واللفظ لمسلم).

وفي هذا الحديث الأخير بشارةٌ عظيمة للمبتدئين: فجهدُ من يتعثّر في القراءة ويشقّ عليه مأجورٌ في ذاته. وشبّه النبي ﷺ قارئ القرآن بالأُترُجّة: «طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ» (رواه البخاري برقم 5020).

آداب تلاوة القرآن الكريم

جمع العلماء الآداب المتعلقة بالتلاوة، ومنهم الإمام النووي رحمه الله (ت 676 هـ / 1277 م) في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن. وبعض هذه الآداب واجب، وأكثرها مستحب.

قبل الشروع في القراءة

  • الطهارة: ذهب جمهور العلماء، ومنهم المذاهب الأربعة، إلى اشتراط الوضوء لمسّ المصحف، واستدلّوا خصوصًا بكتاب النبي ﷺ إلى عمرو بن حزم رضي الله عنه، وفيه ألّا يمسّ القرآنَ إلا طاهر (رواه مالك في الموطأ). أما القراءة عن ظهر قلب من غير وضوء فجائزة. ويمنع أكثر العلماء الجُنُب من القراءة حتى يغتسل، واختلفوا في الحائض، فأجاز لها المالكية خاصةً أن تقرأ عن ظهر قلب. ومن كانت له حالة خاصة فليسأل عالمًا يثق به.
  • نظافة المكان وحسن الهيئة: يُستحب أن يستقبل القارئ القبلة إن تيسّر، وأن يجلس بسكينة ووقار وخشوع، لا على هيئة اللاهي المتراخي. وأفضل القراءة عند العلماء ما كان في الصلاة قائمًا، ولا سيما في صلاة الليل.
  • الاستعاذة: قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]. فيقول القارئ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يبسمل في أول كل سورة سوى سورة التوبة.
  • إخلاص النية: أن يقرأ ابتغاء وجه الله وطلبًا للهداية، لا ليُعجَب به الناس.

في أثناء التلاوة

  • الترتيل والتأنّي: قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزّمِّل: 4]. وسُئل أنس بن مالك رضي الله عنه عن قراءة النبي ﷺ فقال: «كَانَتْ مَدًّا. ثُمَّ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يَمُدُّ بِبِسْمِ اللَّهِ، وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ، وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ» (رواه البخاري برقم 5046). وأخبر رجلٌ عبدَ الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ المفصَّل، أي السور القصار المتتابعة في آخر المصحف، في ركعة واحدة، فأنكر عليه هذه القراءة المستعجلة قائلًا: «هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ» (رواه البخاري برقم 775).
  • التفاعل مع المعاني: روى حذيفة رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان في صلاة الليل يقرأ مترسّلًا، «إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ» (رواه مسلم برقم 772).
  • التوقّف عند الفتور: قال النبي ﷺ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَاسْتَعْجَمَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ فَلْيَضْطَجِعْ» (رواه مسلم برقم 787).
  • الإنصات عند سماع القرآن: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204].
  • سجود التلاوة: يُستحب السجود عند آيات مخصوصة، يُشار إليها في المصحف بالعلامة ۩، ويتراوح عددها بحسب المذاهب الفقهية بين إحدى عشرة سجدة وخمس عشرة.

الجهر بالقراءة أم الإسرار بها؟

قال النبي ﷺ: «الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ، وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ» (رواه أبو داود برقم 1333، والترمذي برقم 2919، وهو حديث صحيح). فكلاهما حسن. وكما تُفضَّل صدقة السرّ أحيانًا، فالإسرار أولى إذا خشي القارئ الرياء، أو كانت قراءته تُشوّش على مصلٍّ أو نائم؛ والجهر أفضل فيما سوى ذلك، لأنه أجمع للقلب، وأطرد للنعاس، وينتفع به السامعون. وحتى في الإسرار يشترط أكثر الفقهاء أن يتلفّظ القارئ بالكلمات حقيقةً، ولا سيما في الصلاة، فالقراءة بالقلب وحده لا تُعدّ تلاوة.

ويُستحب كذلك تحسين الصوت بالقراءة: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» (رواه أبو داود برقم 1468، وهو حديث صحيح). وأثنى النبي ﷺ على حسن صوت أبي موسى الأشعري رضي الله عنه فقال له: «يَا أَبَا مُوسَى لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» (رواه البخاري برقم 5048). ويحسّن كلٌّ صوته بحسب طاقته، من غير تكلّف. وما كرهه كثير من العلماء المتقدمين ليس حسنَ الصوت، وإنما الألحانُ التي تُلجئ القارئ إلى مدّ ما لا يُمدّ أو قصر ما يُمدّ، خروجًا عن أحكام التلاوة.

تدبّر ما يُتلى

الغاية من التلاوة الفهمُ والتدبّر: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]. وروى أبو ذر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قام ليلةً حتى أصبح يردّد آيةً واحدة، هي قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118] (رواه النسائي برقم 1010، وابن ماجه برقم 1350، وهو حديث حسن). ويُروى كذلك أن الصحابي تميمًا الداري رضي الله عنه قام ليلةً حتى أصبح أو كاد، يردّد باكيًا قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: 21]. ولما قرأ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على النبي ﷺ سورة النساء حتى بلغ قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]، قال له: «حَسْبُكَ الآنَ»، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان (رواه البخاري برقم 5050).

ووصف أبو حامد الغزالي رحمه الله (ت 505 هـ / 1111 م) في كتابه إحياء علوم الدين الأعمالَ الباطنة التي ينبغي أن يتحلّى بها التالي، ويمكن إجمالها فيما يلي:

  • استحضار أن ما يقرؤه كلامُ الله تعالى لا كلام البشر، واستشعار عظمة المتكلّم سبحانه؛
  • حضور القلب والتفكّر في كل آية: فإذا قرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: 1] تأمّل قدرته في الخلق، وإذا قرأ ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ (58) أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة: 58-59] تفكّر في خلق الإنسان من نطفة يسيرة؛
  • التخلّي عن موانع الفهم: كالوسوسة التي تحمل القارئ على تكرار الحرف ظنًّا منه أنه لم يُخرجه من مخرجه، أو الإصرار على الذنب الذي يصدأ به القلب كما تصدأ المرآة؛
  • أن يرى نفسه مخاطَبًا بالقرآن: فالقصص والمواعظ لم تُسَق للتسلية، بل للهداية، كأنها كتابٌ من ملكٍ إلى كل واحد من رعيّته؛
  • التواضع: فمن رأى تقصيره، بدل أن يرضى عن نفسه، كان أقرب إلى الله.

كم يقرأ المسلم من القرآن؟

أوصى النبي ﷺ عبدَ الله بن عمرو رضي الله عنهما أن يختم القرآن في شهر، فلما ذكر أنه يجد قوة على أكثر من ذلك قال له: «فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ وَلاَ تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ» (رواه البخاري برقم 5054). وقال ﷺ: «لاَ يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثٍ» (رواه أبو داود برقم 1394، والترمذي برقم 2949، وهو حديث صحيح). وكانت عادات السلف في ذلك متنوّعة جدًّا، حتى رُوي بإسنادٍ صحّحه ابن حجر أن الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه قرأ القرآن كلّه يومًا في ركعة واحدة. وخلص النووي إلى أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص: فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف، أو كان مشغولًا بنشر العلم وغيره من المصالح المهمّة، فليقتصر على قدرٍ يحصل له معه كمال الفهم ولا يُخلّ بما هو مطلوب منه؛ ومن لم يكن كذلك فليستكثر ما أمكنه، من غير أن يبلغ حدّ الملل أو الإسراع المُخلّ.

والمهمّ المداومة: «تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا» (رواه البخاري برقم 5033). ويحكي القرآن شكوى الرسول ﷺ: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30]. وهذه معالم تساعد على تنظيم الورد، على أساس مصحفٍ من 604 صفحات:

الورد اليوميمدة الختمة
صفحتان في اليومنحو 10 أشهر
4 صفحات بعد كل صلاة من الصلوات الخمس (نحو جزء)نحو شهر
جزءان في اليومنحو 15 يومًا
ما يزيد قليلًا على 4 أجزاء في اليوم7 أيام

وعند الختم يحسن الدعاء: فقد كان أنس بن مالك رضي الله عنه إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا، وصحّح النووي إسناد هذا الأثر. أما الأحاديث التي تَنسب إلى النبي ﷺ الوعد بدعوة مستجابة عند كل ختمة فقد ضعّفها أهل الاختصاص. وفي شهر رمضان يحرص كثير من المسلمين على ختم القرآن قراءةً أو استماعًا: انظر مقالنا عن الاستماع إلى القرآن في شهر رمضان.

مبادئ التجويد

التجويد في اللغة التحسين والإتقان، وفي الاصطلاح إعطاء كل حرف حقَّه ومستحقَّه من المخرج والصفات، ومراعاة أحكام المدّ والوقف والوصل، حتى يُقرأ القرآن كما نُقل. ويميّز العلماء بين اللحن الجليّ، وهو خطأ يطرأ على الحرف أو الحركة فيُخلّ بالمبنى وقد يُغيّر المعنى، واللحن الخفيّ، وهو ما يُخلّ بكمال الأداء. وتجنّب اللحن الجليّ واجب على كل قارئ، أما دراسة أحكام التجويد على وجه التفصيل ففرض كفاية، إذا قام به بعض الأمة سقط الإثم عن الباقين. وهذه أوّل المسائل التي يلقاها المبتدئ:

  • مخارج الحروف: وهي في الجملة خمسة مواضع: الجوف، والحلق، واللسان، والشفتان، والخيشوم. ومن أهم ما يُعتنى به التمييز بين الحاء والهاء (ح، ه)، والعين والهمزة (ع، ء)، والسين والصاد (س، ص)، وبين الذال والزاي والظاء (ذ، ز، ظ).
  • التفخيم والترقيق: تُفخَّم حروف الاستعلاء السبعة، المجموعة في قولهم «خُصَّ ضَغْطٍ قِظْ» (خ ص ض غ ط ق ظ)، ويُرقَّق أكثر الحروف الأخرى.
  • أحكام النون الساكنة والتنوين أربعة بحسب الحرف الذي يليها: الإظهار عند حروف الحلق الستة (ء ه ع ح غ خ)، والإدغام في حروف «يرملون»، والإقلاب ميمًا عند الباء، والإخفاء مع الغنّة عند الحروف الخمسة عشر الباقية.
  • المدود: المدّ الطبيعي مقداره حركتان، ويزيد إلى أربع حركات أو خمس أو ست إذا وقع بعد حرف المدّ همزٌ أو سكون، على تفصيلٍ معروف في أنواع المدّ.
  • القلقلة في حروف «قطب جد» (ق ط ب ج د) إذا سكنت، والغنّة في النون والميم المشدّدتين.
  • الوقف والابتداء: علامات صغيرة فوق الكلمات تدلّ على الوقف اللازم (م)، والوقف الأولى (قلى)، والوقف الجائز مع استواء الطرفين (ج)، والوصل الأولى مع جواز الوقف (صلى)، والنهي عن الوقف (لا).

وتُتلقّى هذه الأحكام بالسماع قبل كل شيء، على يد معلّم متقن: فالقرآن يُنقل منذ عهد النبوّة بالتلقّي والمشافهة، ويمنح الشيوخ المتقنون تلاميذهم إجازةً بسندٍ متّصل إلى النبي ﷺ.

القراءات والروايات

أُنزل القرآن على سبعة أحرف. فقد سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه هشامَ بن حكيم رضي الله عنه يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأه النبي ﷺ، فلما احتكما إليه أقرّ القراءتين، وقال: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ» (رواه البخاري برقم 4992). وليست الأحرف السبعة هي القراءات المعروفة اليوم، فهذه القراءات كلها داخلة في الرسم العثماني. وفي القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) اختار ابن مجاهد (ت 324 هـ / 936 م) سبعةً من أئمة القراءة، ثم أثبت ابن الجزري (ت 833 هـ / 1429 م) القراءات العشر. ولكل قارئ راويان مشهوران، ومن هنا جاءت تسمية «الرواية». وتتعلّق الفروق في الغالب بالأداء (مقادير المدود، وأحكام الهمز، والإمالة)، وأحيانًا بضبط بعض الكلمات، مع بقائها كلها في إطار الرسم الواحد.

الروايةالقارئ ومدينتهأين تُقرأ في الغالب اليوم
حفص عن عاصمعاصم (الكوفة)الأوسع انتشارًا في العالم: المشرق العربي، وشبه الجزيرة العربية، وتركيا، وآسيا، وأوروبا…
ورش عن نافعنافع (المدينة المنورة)المغرب، والجزائر، وموريتانيا، وجزء كبير من غرب أفريقيا
قالون عن نافعنافع (المدينة المنورة)ليبيا وجزء من تونس
الدوري عن أبي عمروأبو عمرو (البصرة)السودان خاصةً

وإذا قرأت في مصحف مغربي (برواية ورش أو قالون) فستلاحظ بعض الاصطلاحات الخاصة في الكتابة والضبط، كوضع نقطة الفاء تحتها، ونقطة القاف واحدةً فوقها، واختلافًا أحيانًا في ترقيم الآيات. ويُنصح المبتدئ بأن يتعلّم أولًا روايةً واحدة، هي رواية بيئته أو معلّمه.

نصائح للمبتدئين

  1. تعلّم الحروف العربية وعلامات الضبط (الفتحة والكسرة والضمة والسكون والشدّة)، ويُفضَّل أن يكون ذلك على يد معلّم: في المسجد، أو في مدرسة قرآنية، أو في دروسٍ جادّة عبر الإنترنت.
  2. ابدأ بسورة الفاتحة التي تُقرأ في كل ركعة، ثم بقصار السور من آخر المصحف (جزء عمّ)، مثل الإخلاص والفلق والناس، التي ستقرؤها في الصلاة.
  3. اقرأ قليلًا كل يوم في وقت ثابت، بعد صلاة الفجر مثلًا: فآياتٌ قليلة دائمة خيرٌ من جلسة طويلة متقطّعة.
  4. استمع إلى القرّاء المتقنين وردّد خلفهم. فالشيخ محمود خليل الحصري (1917-1980)، المعروف بدقّة أدائه، كان أول من سجّل القرآن كاملًا مرتّلًا، وترك تسجيلًا تعليميًّا هو المصحف المعلِّم، المُعَدّ للتعلّم بالترديد. وتلاوة الشيخ محمد صديق المنشاوي (1920-1969) محبّبة أيضًا إلى المتعلّمين. واشتهر الشيخ عبد الباسط عبد الصمد (1927-1988) بتلاواته المجوَّدة، بينما يُعدّ الشيخ مشاري بن راشد العفاسي والشيخ عبد الرحمن السديس، إمام المسجد الحرام بمكة المكرمة، من أكثر الأصوات استماعًا اليوم. وتجد تلاواتهم في صفحة القرآن الكريم على موقعنا.
  5. اقرأ تفسيرًا ميسّرًا إلى جانب النص، أو ترجمةً لمعانيه إن لم تكن العربية لغتك، لتفهم ما تتلوه.
  6. احفظ شيئًا فشيئًا: كرّر الآية حتى تحفظها، وراجع ما حفظته قبل أن تضيف إليه جديدًا، واقرأ محفوظك في صلواتك.
  7. اصبر: فالذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاقّ له أجران.

قراءة القرآن حوارٌ مع الله يمتدّ العمر كله. فلا تُثبّطنّك صعوبات البداية: كل حرف تقرؤه حسنة، وكل آية تفهمها تزيد طريقك نورًا.

↑ ↓ للتنقل↵ للفتحEsc للإغلاق