رمضان 2027/1448
الاستماع إلى القرآن الكريم في شهر رمضان
رمضان هو شهر القرآن بامتياز. ويغتنم كثير من المسلمين أيامه الثلاثين لختم القرآن قراءةً، والاستماع إليه مكمّل طبيعي لذلك: فهو يرافق من لم يتقن القراءة بعد، ومن يريد تصحيح نطقه، ومن يقضي ساعات في المواصلات أو في المطبخ. يشرح هذا الدليل الصلة بين رمضان والقرآن، وآداب الاستماع إليه، وبرنامجًا بسيطًا لسماعه كاملًا خلال الشهر، مع مختارات من السور والقرّاء المتاحين على موقع Islamzoom.
رمضان، شهر نزول القرآن
القرآن الكريم نفسه يقرّر هذه الصلة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]. ويبيّن أنّ هذا النزول كان في ليلة القدر: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]، وهي الليلة المباركة المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 3].
وكان النبي ﷺ يعيش هذا اللقاء بالوحي كل رمضان. قال ابن عباس رضي الله عنهما عن جبريل عليه السلام: «وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ» (رواه البخاري برقم 6). وأخبر أبو هريرة رضي الله عنه أنّ القرآن كان يُعرض على النبي ﷺ كل عام مرة، وعُرض عليه مرتين في العام الذي قُبض فيه (رواه البخاري برقم 4998). ومن هذه السنّة جاءت عادة ختم القرآن خلال الشهر.
وتستمر هذه العادة في المساجد: ففي كثير منها يقرأ الإمام نحو جزء (أي جزء من ثلاثين جزءًا من القرآن) كل ليلة في صلاة التراويح، ليتمّ ختم القرآن قبل نهاية الشهر، وكثيرًا ما يُختتم بدعاء جماعي هو دعاء الختم. فحضور التراويح هو في حد ذاته استماع إلى القرآن كاملًا مع جماعة المسلمين.
لماذا نستمع إلى القرآن؟
ليس الاستماع إلى القرآن عملًا من الدرجة الثانية، فقد كان النبي ﷺ يحب أن يسمعه من غيره. طلب يومًا من عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن يقرأ عليه، فتعجّب ابن مسعود: أأقرأ عليك وعليك أُنزل؟ فقال ﷺ: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي» (رواه البخاري برقم 5049). فقرأ عليه سورة النساء حتى بلغ قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]، فقال النبي ﷺ: «حَسْبُكَ الآنَ». قال ابن مسعود: «فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ» (رواه البخاري برقم 5050، ومسلم برقم 800).
ويصف القرآن الكريم أثر الاستماع إليه في المؤمنين: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: 2]، و﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 23]. ويَعِد بالرحمة من ينصت إليه: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204].
وللاستماع كذلك فوائد عملية ملموسة:
- إنه متاح للجميع: للأطفال، وكبار السن، وضعاف البصر، ومن لا يزالون يتعلمون القراءة. والمرأة الحائض، التي لا تصلي ولا تصوم في تلك الأيام، يمكنها أن تستمع إلى القرآن ما شاءت.
- إنه يحسّن التلاوة: فسماع قارئ متقن لأحكام التجويد يصحّح النطق ويعين على الحفظ، وترديد سورة قصيرة خلفه من أفضل طرق التعلم.
- إنه يرافق القراءة: فمتابعة التلاوة بالعين في المصحف تتيح القراءة في الوقت نفسه، ومن ثم نيل أجر القراءة، إذ الحرف الواحد بعشر حسنات (رواه الترمذي برقم 2910، وهو حديث صحيح). وانظر أيضًا مقالنا عن كسب الحسنات في رمضان.
آداب الاستماع إلى القرآن
القرآن كلام الله تعالى، والاستماع إليه عبادة تستحق شيئًا من الأدب.
- الاستماع الحقيقي. تطلب آية الأعراف (204) الإنصات والسكوت، وربع ساعة من الاستماع اليقظ خير من تلاوة تُترك خلفية صوتية أثناء الحديث. وتجنّب تشغيل القرآن في الأماكن غير اللائقة، كدورات المياه.
- الفهم. قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29]. فإن صعب عليك فهم بعض الآيات، فاقرأ تفسيرًا ميسّرًا للمقطع قبل الاستماع أو بعده.
- التفاعل مع النص. كان النبي ﷺ إذا قرأ في صلاة الليل فمرّ بآية فيها تسبيح سبّح، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوّذ تعوّذ (رواه مسلم برقم 772). ويمكنك أن تفعل مثل ذلك بصوت خافت.
- مراعاة الآخرين. سمع النبي ﷺ المصلين يجهرون بالقراءة في المسجد فقال: «أَلَا إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ، فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ» (رواه أبو داود برقم 1332، وهو حديث صحيح). فصوت معتدل، وسماعات في الأماكن المشتركة: لا ينبغي أن يزعج الاستماع أحدًا، ولا سيما المصلين.
- اختيار التسجيلات الجيدة. اختر قرّاء معروفين متقنين، وكان النبي ﷺ يقول: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» (رواه أبو داود برقم 1468، وهو حديث صحيح).
ولاحظ أخيرًا أنّ الاستماع لا يُشترط له الوضوء؛ أمّا مسّ المصحف فيشترط له جمهور العلماء، ومنهم المذاهب الأربعة، الطهارة، وهذا لا يمنع من متابعة النص في تطبيق إلكتروني أو في كتاب تفسير.
برنامج لسماع القرآن كاملًا خلال الشهر
ينقسم القرآن إلى 30 جزءًا متقاربة الطول، وينقسم كل جزء إلى حزبين، فمجموع الأحزاب 60. وهذا التقسيم اجتهادي وُضع لتيسير القراءة المنتظمة، وليس توقيفيًّا. وفي مصحف المدينة النبوية، الذي يقع في 604 صفحات، يبلغ الجزء نحو عشرين صفحة. فالاستماع إلى جزء كل يوم يتيح ختم القرآن في شهر، وهو بالضبط ما أرشد إليه النبي ﷺ عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أول الأمر: «اقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ» (رواه البخاري برقم 5054).
كم يستغرق ذلك؟ يتوقف الأمر على القارئ وأسلوبه. وبحسب مدة تسجيلاتنا الكاملة، يستغرق الجزء في المتوسط:
| القارئ | القرآن كاملًا | الجزء الواحد (المتوسط) |
|---|---|---|
| سعود الشريم | 18 ساعة و15 دقيقة | نحو 37 دقيقة |
| عبد الرحمن السديس | 21 ساعة و9 دقائق | نحو 42 دقيقة |
| ماهر المعيقلي | 22 ساعة و34 دقيقة | نحو 45 دقيقة |
| سعد الغامدي | 24 ساعة و47 دقيقة | نحو 50 دقيقة |
| محمد صديق المنشاوي | 28 ساعة و53 دقيقة | نحو 58 دقيقة |
| مشاري بن راشد العفاسي | 29 ساعة و54 دقيقة | نحو ساعة |
| محمود خليل الحصري | 42 ساعة و40 دقيقة | نحو ساعة و25 دقيقة |
وإليك بعض النصائح للمحافظة على هذا الإيقاع:
- جزّئ الورد. أربع صفحات بعد كل صلاة من الصلوات الخمس، أو عشر دقائق في أربعة أوقات من اليوم، فيكتمل الجزء دون عناء.
- اغتنم الأوقات الضائعة: التنقلات، وإعداد الإفطار أو السحور، والمشي بعد الطعام.
- استمع مسبقًا إلى جزء الليلة. إن كان إمام مسجدك يقرأ في التراويح على ترتيب المصحف، فإن الاستماع إلى المقطع في النهار، مع تفسيره، يعينك على فهمه وعلى الخشوع في الصلاة.
- احسب حساب الشهر الناقص. الشهر القمري تسعة وعشرون يومًا أو ثلاثون، فتقدّم قليلًا في الأسبوع الأول.
- لا تقسُ على نفسك. إن تأخرت فواصل ببساطة من حيث وصلت، فقد أخبر النبي ﷺ «أَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ أَدْوَمُهَا إِلَى اللَّهِ، وَإِنْ قَلَّ» (رواه البخاري برقم 6464). ولا داعي كذلك إلى الإسراع المفرط، فقد قال النبي ﷺ: «لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ» (رواه أبو داود برقم 1394، وهو حديث صحيح).
السور التي يُستحب الاستماع إليها أولًا
القرآن كله بركة، لكن لبعض السور فضائل خاصة ثبتت بأحاديث صحيحة، أو صلة مباشرة برمضان.
- سورة الفاتحة، التي تُقرأ في كل ركعة، وقد قال فيها النبي ﷺ: «لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ» (رواه البخاري برقم 4474).
- سورة البقرة، التي تضم آيات الصيام (من الآية 183 إلى الآية 187)، وآية الكرسي (الآية 255) التي أخبر النبي ﷺ أنها أعظم آية في كتاب الله (رواه مسلم برقم 810)، وآيتيها الأخيرتين اللتين قال فيهما ﷺ: «مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» (رواه البخاري برقم 5009). وقال ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» (رواه مسلم برقم 780).
- سورة آل عمران، وهي مع سورة البقرة الزهراوان اللتان تحاجّان عن أصحابهما يوم القيامة: «اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ: الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ … تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا» (رواه مسلم برقم 804).
- سورة الكهف، التي يقرؤها كثيرون أو يستمعون إليها يوم الجمعة؛ وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ» (رواه مسلم برقم 809).
- سورة الملك، وهي ثلاثون آية تشفع لصاحبها حتى يُغفر له: «إِنَّ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ ثَلَاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ، وَهِيَ سُورَةُ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» (رواه الترمذي برقم 2891 وقال: حديث حسن).
- سورة القدر، التي تخبر بنزول القرآن في ليلة القدر، ويُستحب الاستماع إليها خاصة في العشر الأواخر.
- سورة الإخلاص، التي قال فيها النبي ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» (رواه البخاري برقم 5013)، والمعوّذتان: سورة الفلق وسورة الناس.
وللتدبّر، تحظى القصص الكبرى بإقبال كبير: سورة يوسف، قصة الصبر والعفو، وسورة مريم، وسورة الرحمن ولازمتها المتكررة: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 13]. أمّا الجزء الأخير، المعروف بجزء عمّ، فيجمع السور القصيرة الأكثر قراءة في الصلاة، وهو نقطة الانطلاق المثالية للأطفال ولمن يبدأ الحفظ.
أيّ القرّاء نستمع إليهم؟
يُميَّز عادة بين أسلوبين كبيرين: التلاوة المرتّلة، الهادئة المنتظمة، وهي الأنسب للاستماع اليومي وللتعلم؛ والتلاوة المجوّدة، الأبطأ والأكثر تنغيمًا، وهي تناسب لحظات التأمل. ويقدّم موقع Islamzoom نحو ستين قارئًا، وإليك بعض المعالم:
- للتعلم وتصحيح التلاوة: القارئ المصري محمود خليل الحصري (1917-1980)، أول من سجّل القرآن كاملًا مرتّلًا، في ستينيات القرن العشرين، والمشهور بوضوح أدائه؛ أو عبد الله بن علي بصفر، صاحب الأداء الهادئ المتأنّي.
- الأصوات المصرية الكبرى: عبد الباسط عبد الصمد (1927-1988) ومحمد صديق المنشاوي (1920-1969)، من أعلام التلاوة المرتّلة والمجوّدة على السواء، أو محمد جبريل، المشهور في مصر بإمامته صلاة التراويح.
- أجواء التراويح في مكة المكرمة والمدينة المنورة: أمّ عبد الرحمن السديس وسعود الشريم وماهر المعيقلي وياسر الدوسري المصلين في المسجد الحرام بمكة المكرمة، وأمّ علي الحذيفي وصلاح البدير المصلين في المسجد النبوي بالمدينة المنورة.
- أصوات محبوبة لدى الجمهور: الكويتي مشاري بن راشد العفاسي، وسعد الغامدي، أو المغربي عمر القزابري، المعروف بإمامته صلاة التراويح في مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء.
وتجد القائمة الكاملة للقرّاء وجميع سور القرآن الكريم (114 سورة) في صفحتنا تلاوات القرآن الكريم MP3. ولمزيد من التعمق في القراءة نفسها، راجع أيضًا دليلنا عن قراءة القرآن وتلاوته.
ما بعد الاستماع
القرآن عند المسلمين كلام الله تعالى، تكفّل سبحانه بحفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، وهو معجز لا يُستطاع الإتيان بمثله: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]. وهو يجيب عن السؤال الذي يطرحه كل إنسان يومًا، سؤال معنى وجوده: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. فيه يعرّف الله تعالى عباده بنفسه، ويذكّر برسالة الأنبياء الذين سبقوا محمدًا ﷺ، كإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، ويرسم الطريق المستقيم.
فليس الاستماع في رمضان غاية في ذاته، بل هو باب إلى القراءة والفهم والعمل. وإن ترك لك هذا الشهر عادة الاستماع، ولو ربع ساعة يوميًّا، إلى تلاوة تفهمها، فقد أثمر ثمرة باقية.