Islamzoom

الإسلام

يوم القيامة في الإسلام: من أشراط الساعة إلى الجنة والنار

الحياة الدنيا متاعٌ زائل، ويؤمن المسلمون بأنه سيعقبها يومٌ يُبعث فيه الناس جميعًا، أقواهم وأضعفهم، ويُحاسَبون على أعمالهم بين يدي الله تعالى. والإيمان باليوم الآخر ركنٌ من أركان الإيمان. تعرض هذه الصفحة مراحله الكبرى كما يقرّرها معتقد جمهور أهل السنة: أشراط الساعة، والبعث، والحشر، والشفاعة، والحساب، والميزان، والصراط، ثم الجنة والنار. وقد بيّن القرآن الكريم معالمها الكبرى، وجاء كثير من تفاصيلها في الأحاديث الصحيحة، ونذكر المصدر في كل موضع.

ركن من أركان الإيمان

لما سأل جبريلُ عليه السلام النبيَّ محمدًا ﷺ عن الإيمان قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (رواه مسلم برقم 8). وللقرآن في تسمية هذا اليوم أسماء كثيرة: يوم القيامة، ويوم الدين (﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4])، والساعة، والقارعة، والحاقّة… وبعض هذه الأسماء عناوين لسورٍ من القرآن.

ولا يعلم موعده إلا الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ … لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: 187]. ولما سأل جبريلُ النبيَّ ﷺ عنها أجاب: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» (رواه البخاري برقم 50). غير أنه ﷺ أخبر بقربها، فقال مشيرًا بإصبعيه السبابة والوسطى: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ» (رواه البخاري برقم 6504). فكل تحديدٍ لموعدها مردود.

قبل يوم القيامة: القبر والبرزخ

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]. وبين الموت والبعث مرحلةٌ يسمّيها القرآن البرزخ، أي الحاجز: ﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 100]. وفي الأحاديث الصحيحة أن الميت يأتيه فيه ملكان يسألانه عن إيمانه وعن النبي ﷺ، فيجيب المؤمن بثبات: «أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»، أما المنافق أو الكافر فيقول: «لاَ أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ» (رواه البخاري برقم 1374). وقد ربط النبي ﷺ هذه الفتنة بقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27] (رواه البخاري برقم 1369).

أشراط الساعة

الأشراط الصغرى

أخبرت الأحاديث بعلاماتٍ كثيرة تسبق الساعة، يرى العلماء أن بعضها قد ظهر. ومن ذلك انشقاق القمر الذي ذكره القرآن: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: 1]. وفي حديث جبريل ذكر النبي ﷺ من أشراطها: «إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ» (رواه البخاري برقم 50). وقال ﷺ: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلاَزِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ … حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضُ» (رواه البخاري برقم 1036)، والهرج: القتل. وقال: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ» (رواه البخاري برقم 7115).

وهذه العلامات نُذُرٌ تُوقظ الغافلين، وقد حذّر العلماء من التسرّع في تنزيلها على الأحداث الجارية لاستنتاج موعدٍ للساعة.

الأشراط الكبرى العشر

روى الصحابي حذيفة بن أَسِيد رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ» (رواه مسلم برقم 2901)، فذكر:

  1. الدخان؛
  2. الدجّال؛
  3. الدابّة؛
  4. طلوع الشمس من مغربها؛
  5. نزول عيسى ابن مريم عليه السلام؛
  6. يأجوج ومأجوج؛
  7. خسفٌ بالمشرق؛
  8. خسفٌ بالمغرب؛
  9. خسفٌ بجزيرة العرب؛
  10. وآخر ذلك نارٌ تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم.

ولم يرد في القرآن إلا بعض هذه الأشراط: الدابة التي تخرج من الأرض فتكلّم الناس (﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: 82])، وفتح يأجوج ومأجوج (﴿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء: 96])، وعيسى عليه السلام الذي فسّر به كثير من المفسرين قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: 61]، وإتيان بعض آيات الله التي لا ينفع بعدها إيمانٌ لم يكن من قبل: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الأنعام: 158]، وقد فسّرها النبي ﷺ بطلوع الشمس من مغربها (رواه البخاري برقم 4635). وحمل فريقٌ من المفسرين آيةَ الدخان، ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ ۖ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: 10-11]، على هذه العلامة الكبرى، في حين حملها عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على القحط الذي أصاب قريشًا بمكة في حياة النبي ﷺ (رواه البخاري برقم 4821). أما الدجّال فلم يُعرف إلا من الأحاديث: «مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إِلاَّ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الْكَذَّابَ، أَلاَ إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» (رواه البخاري برقم 7131). وأما عيسى عليه السلام فقد أخبر النبي ﷺ أنه سينزل بين الناس: «لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلاً» (رواه البخاري برقم 3448، ومسلم برقم 155).

نهاية العالم والبعث

فإذا أذن الله تعالى بذلك انقلب نظام الكون:

﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: 1-5]

ويفنى كل شيء إلا الله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27].

ويذكر القرآن نفختين في الصُّور، الموكَّل به ملكٌ تسمّيه الروايات إسرافيل: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68]. وقال النبي ﷺ: «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ»، فلما سُئل أبو هريرة رضي الله عنه: أربعون يومًا؟ أربعون شهرًا؟ أربعون سنة؟ أبى أن يحدّد. ثم يمضي الحديث: «ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ، لَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلاَّ يَبْلَى، إِلاَّ عَظْمًا وَاحِدًا وَهْوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رواه البخاري برقم 4935، ومسلم برقم 2955). وعَجْب الذَّنَب: طرف العصعص.

حجج القرآن على البعث

ردّ القرآن على المنكرين الذين استبعدوا عودة الحياة بحججٍ يتأمّلها كل عاقل:

  • الإعادة أهون من البدء: ﴿قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: 78-79]، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27].
  • لا يُعجزه شيء: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 3-4].
  • الأرض الميتة تحيا كل عام: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ﴾ [فصّلت: 39].
  • عدل الله وحكمته يقتضيانه: ففي الدنيا مظالم كثيرة لا يُقتصّ لها، وإحسانٌ كثير لا يُجزى. ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115]، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: 28].

الحشر

فإذا بُعث الناس حُشروا جميعًا بين يدي الله تعالى. قال النبي ﷺ: «إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً»، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: 104]، وأخبر أن أول من يُكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام (رواه البخاري برقم 3349). ولما قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: «الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ» (رواه البخاري برقم 6527). وينشغل كل امرئٍ بنفسه:

﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34-37]

وتُدنى الشمس من الخلائق، فيكون الناس في العرق على قدر أعمالهم: منهم من يبلغ كعبيه، ومنهم من يُلجمه العرق إلجامًا، وأشار النبي ﷺ بيده إلى فيه (رواه مسلم برقم 2864). لكن سبعةً يُظلّهم الله في ظلّه يومئذ، فقد قال ﷺ:

«سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (رواه البخاري برقم 660).

الشفاعة العظمى

فإذا اشتدّ على الناس طول الموقف ذهبوا إلى آدم عليه السلام يسألونه أن يشفع لهم إلى ربهم، ثم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم، ثم إلى موسى، ثم إلى عيسى عليهم السلام، فيعتذر كلٌّ منهم، حتى يأتوا محمدًا ﷺ، فيقع ساجدًا لربه، ثم يُقال له: «يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ» (رواه البخاري برقم 4712، ومسلم برقم 194). وهذه هي الشفاعة العظمى التي يُخلّص الله بها الخلائق، كما يقرّر العلماء، من هول الانتظار، ويبدأ بها الحساب. وقال ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ يَدْعُو بِهَا، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي فِي الآخِرَةِ» (رواه البخاري برقم 6304)، وقال: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» (رواه مسلم برقم 2278).

والشفاعة كلها موقوفة على إذن الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: 109]. وجاء في الأحاديث أن النبي ﷺ يشفع كذلك لأهل الكبائر من أمته: «شَفَاعَتِي لأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» (رواه أبو داود برقم 4739، وهو حديث صحيح)، وأن المؤمنين أنفسهم يشفعون لإخوانهم (رواه البخاري برقم 7439).

الحساب: صحائف الأعمال والشهود

يُعطى كل إنسان كتاب أعماله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 13-14]. ولا يغادر منه شيئًا: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49]. فمن أوتي كتابه بيمينه ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: 8-9]، ومن أوتيه وراء ظهره ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الانشقاق: 11] (وانظر أيضًا سورة الحاقة، الآيات 19-29). وتشهد الجوارح نفسها: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: 65].

وأخبر النبي ﷺ أن أول ما يُحاسَب عليه العبد من عمله الصلاة: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الصَّلاَةُ» (رواه أبو داود برقم 864، وهو حديث صحيح)، وأن أول ما يُقضى فيه بين الناس الدماء: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ بِالدِّمَاءِ» (رواه البخاري برقم 6533). وقال ﷺ: «لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ» (رواه الترمذي برقم 2417، وقال: حسن صحيح). وتُؤدّى الحقوق إلى أهلها بدقّة: فالمفلس حقًّا من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هؤلاء من حسناته، فإن فنيت حسناته أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه (رواه مسلم برقم 2581).

وهذا الحساب عدلٌ تامّ، وفضل الله فيه واسع: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40]. غير أن النبي ﷺ حذّر فقال: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ»، فلما سألته عائشة رضي الله عنها عن قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: 8] قال: «ذَلِكِ الْعَرْضُ» (رواه البخاري برقم 6536)، أي مجرّد عرض الأعمال من غير مناقشة.

الميزان

تُوزن الأعمال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء: 47]، ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: 6-9]. وبيّن النبي ﷺ ما يثقل في الميزان فقال: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» (رواه البخاري برقم 6406)، وقال: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ» (رواه أبو داود برقم 4799، وهو حديث صحيح).

حوض النبي ﷺ

ثبت في الأحاديث الصحيحة أن للنبي ﷺ حوضًا ترِده أمته: «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلاَ يَظْمَأُ أَبَدًا» (رواه البخاري برقم 6579). وأخبر أن رجالًا من أمته يُؤخذ بهم ذات الشمال فيُصرفون عنه، فيُقال له: «إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ» (رواه البخاري برقم 4625)، وحمله العلماء على من ارتدّ عن الدين أو بدّل فيه بعد وفاته ﷺ.

الصراط

يُنصب جسرٌ على متن جهنم، ويمرّ عليه الناس جميعًا. ويربط كثير من المفسرين هذا العبور بقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا … ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 71-72]. وتفاصيله في الأحاديث: فقد وصفه النبي ﷺ بأنه «مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلاَلِيبُ»، وأن المؤمنين يمرّون عليه بحسب أعمالهم: «الْمُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ» (رواه البخاري برقم 7439). وقال الصحابي أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: «بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ» (رواه مسلم برقم 183). ويصف القرآن النور الذي يسعى يومئذٍ بين يدي المؤمنين: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾ [الحديد: 12].

الجنة والنار

الجنة فوق كل ما يتخيّله الإنسان: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17]. وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنَ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنَ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (رواه البخاري برقم 3244). وفي الجنة مئة درجة، أعلاها الفردوس: «فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ» (رواه البخاري برقم 2790). وأعظم نعيم أهلها النظر إلى وجه ربهم، فما أُعطوا شيئًا أحبّ إليهم منه (رواه مسلم برقم 181؛ وانظر سورة يونس، الآية 26، وسورة القيامة، الآيتين 22-23).

والنار (جهنم) دار العذاب: «نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ» (رواه البخاري برقم 3265). ويخبر القرآن أن الذين كفروا خالدون فيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البيّنة: 6]، أما المؤمنون الذين عملوا الصالحات فجزاؤهم الجنات الخالدة: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البيّنة: 8]. وفي معتقد أهل السنة أن المؤمن الذي أدخلته ذنوبه النار لا يُخلَّد فيها: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ» (رواه البخاري برقم 44)، ثم من في قلبه وزن بُرّة، ثم وزن ذرّة. فإذا استقرّ كلٌّ في داره ذُبح الموت، وقيل: «يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ» (رواه البخاري برقم 4730).

والحكم لله وحده: يقرّر علماء أهل السنة أنه لا يُشهد لمعيّنٍ بجنة ولا نار إلا من شهدت له النصوص. والمؤمن يعيش بين الرجاء في رحمة الله والخوف من عقابه.

الاستعداد لليوم الآخر

سأل رجلٌ النبيَّ ﷺ: متى الساعة؟ فقال: «وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟»، قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله ﷺ، فقال: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» (رواه البخاري برقم 3688). فالسؤال الحقّ ليس: متى؟ بل: بماذا؟ بالإيمان، والصلاة، وحسن الخلق، وأداء حقوق الناس، والتوبة الصادقة، فإن باب رحمة الله مفتوحٌ إلى آخر نفَس.

وقال النبي ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)، وَ(إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ)، وَ(إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)» (رواه الترمذي برقم 3333 وحسّنه). وللتأمّل في هذا اليوم اقرأ أو استمع خصوصًا إلى هذه السور:

↑ ↓ للتنقل↵ للفتحEsc للإغلاق