الإسلام
ما مكانة المرأة في الإسلام؟
تثير مكانة المرأة في الإسلام أسئلة كثيرة، وأحيانًا سوء فهم. وأسلم طريق للإجابة عنها هو الرجوع إلى المصادر: القرآن الكريم، وسنة النبي محمد ﷺ، وسيرة النساء اللواتي كنّ حوله. ويعرض هذا المقال ما تقوله هذه النصوص في المساواة بين الرجل والمرأة أمام الله، وفي الحقوق التي يقرّها الإسلام للمرأة، وفي مكانتها داخل الأسرة، ويعرّف بطائفة من أعلام النساء، من غير إغفال المسائل التي اختلف فيها العلماء.
كرامة واحدة أمام الله
يذكّر القرآن الكريم أولًا بأن الرجل والمرأة من أصل واحد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: 1]. وفي قصة الجنة لا يُنسب الخطأ إلى المرأة وحدها: فآدم (عليه السلام) وزوجه أكلا كلاهما من الشجرة: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا﴾ [طه: 121]، وكلاهما طلب المغفرة: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23].
وأمام الله، للإيمان والعمل الصالح عند المرأة القيمة نفسها التي لهما عند الرجل. ففي آية من سورة الأحزاب يُذكر الرجال والنساء جنبًا إلى جنب، صفةً بعد صفة:
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]
وتؤكد ذلك آيات أخرى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124]؛ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97]؛ ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: 195]. ويشترك الرجال والنساء كذلك في المسؤولية الأخلاقية نفسها: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [التوبة: 71]. وكانت النساء يبايعن النبي ﷺ بأنفسهن، كما في سورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: 12].
الحقوق التي أقرّها الإسلام للمرأة
حقها في أن تُستقبل وتُكرَّم منذ ولادتها
في الجاهلية كانت بعض الأسر تستقبل ولادة البنت كأنها مصيبة، وكانت البنات يُدفنَّ أحياءً أحيانًا. وقد أنكر القرآن الكريم هذا الموقف: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ … أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل: 58-59]، وأخبر أن الموءودة تُسأل يوم القيامة: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: 8-9]. ووعد النبي ﷺ من ولي أمر البنات فأحسن إليهن بأن يكنّ له سترًا من النار (رواه البخاري برقم 5995، ومسلم برقم 2629).
التعليم
كان طلب العلم الشرعي مفتوحًا للنساء منذ عهد النبي ﷺ. فقد قالت النساء للنبي ﷺ: «غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ»، فوعدهن يومًا لقيهن فيه فوعظهن (رواه البخاري برقم 101). وأثنت عائشة (رضي الله عنها) على نساء الأنصار فقالت: «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ، لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ» (رواه مسلم برقم 332). وكانت الشفاء بنت عبد الله (رضي الله عنها) قد علّمت حفصة، إحدى زوجات النبي ﷺ، الكتابة، فقال لها النبي ﷺ: «أَلَا تُعَلِّمِينَ هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ كَمَا عَلَّمْتِيهَا الْكِتَابَةَ» (رواه أبو داود برقم 3887)، ورقية النملة رقية كانت تُرقى بها القروح. أما حديث «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» (رواه ابن ماجه برقم 224)، الذي صحّحه عدد من العلماء بمجموع طرقه، فيشمل عندهم النساء والرجال على السواء. وقال النبي ﷺ أيضًا: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» (رواه البخاري برقم 900).
التملك والاستقلال المالي
للمرأة، عزباء كانت أو متزوجة، ذمة مالية مستقلة: فلها أن تشتري وتبيع، وتدير تجارة، وتقبل الهبة وتهب، دون أن يصير زوجها أو أبوها مالكًا لما تملك. قال تعالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: 32]. وكانت زينب، امرأة الصحابي عبد الله بن مسعود (رضي الله عنهما)، تنفق من مالها على زوجها وعلى أيتام في رعايتها (رواه البخاري برقم 1466). وجمهور العلماء على أن المرأة الراشدة تتصرف في مالها بحرية، غير أن المذهب المالكي يقصر تبرّعات المرأة المتزوجة بغير إذن زوجها على ثلث مالها.
وفي المقابل تقع النفقة على الزوج: من مسكن وطعام وكسوة لزوجته وأولاده، بالمعروف وبحسب سعته: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]، ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: 7]، ولو كانت زوجته أغنى منه. وما تكسبه المرأة أو تملكه يبقى لها.
رضا المرأة بالزواج
الزواج عقد يُشترط فيه رضا المرأة. قال النبي ﷺ: «لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» (رواه البخاري برقم 5136)، والأيّم هي التي سبق لها الزواج. وزوّج خنساءَ بنتَ خِذام أبوها وهي كارهة، فأتت النبي ﷺ فردّ نكاحها (رواه البخاري برقم 5138). ويشترط جمهور المذاهب (المالكية والشافعية والحنابلة) فوق ذلك وجود الولي لعقد النكاح، في حين يجيز المذهب الحنفي للمرأة البالغة الراشدة أن تزوّج نفسها.
المهر
يقدّم الزوج لزوجته مهرًا هو حق خالص لها، لا يحق لأبيها ولا لزوجها أن يستولي عليه. قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ [النساء: 4]. ويُحدَّد مقداره، رمزيًا كان أو كبيرًا، بالتراضي.
اسم العائلة
في التقاليد الإسلامية تحتفظ المرأة المتزوجة باسمها ونسبها: فقد ظلت زوجات النبي ﷺ يُنسبن إلى آبائهن، كخديجة بنت خويلد وعائشة بنت أبي بكر (رضي الله عنهن). وقد حذّر النبي ﷺ من انتساب المرء إلى غير أبيه (رواه البخاري برقم 3508). فحمل اسم الزوج، كما تفرضه بعض الأعراف أو الإدارات، ليس من الإسلام؛ ويكرهه كثير من العلماء المعاصرين إذا أوهم تغيير النسب، ويتسامح فيه آخرون بوصفه مجرد عرف في السجلات المدنية.
الفراق
نهى القرآن الكريم عن إمساك الزوجة إضرارًا بها: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231]، وقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: 19]. وإذا تعذّرت العشرة، فللمرأة أن تطلب الفراق مقابل ردّ المهر، وهو الخُلع: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]. وقد نالته بذلك امرأة الصحابي ثابت بن قيس (رضي الله عنه)، التي لم تكن تعيب عليه في خلق ولا دين، لكنها لم تعد تطيق العيش معه (رواه البخاري برقم 5273). ولها أيضًا أن ترفع أمرها إلى القاضي إذا لحقها ضرر.
الميراث
قبل الإسلام كانت النساء كثيرًا ما يُحرمن من الإرث، فجعل لهن القرآن الكريم نصيبًا مفروضًا: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ … نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ [النساء: 7]. وتبيّن الآية 11 من سورة النساء: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11].
وينبغي فهم هذه القاعدة في إطارها. فهي تخص ورثة بأعيانهم، هم الأولاد، والإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب، وتندرج في نظام يتحمّل فيه الرجل أعباء لا تتحمّلها المرأة: فهو يدفع المهر، وينفق على زوجته وأولاده، وقد يلزمه الإنفاق على والديه، أما ما ترثه المرأة فيبقى لها. وفي حالات أخرى تتساوى الأنصبة: فلكل من أبي الميت وأمه السدس إذا ترك أولادًا: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: 11]، والإخوة والأخوات لأم يقتسمون بالتساوي: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: 12]. بل توجد حالات ترث فيها المرأة أكثر مما كان سيرثه رجل في موقعها. وقد دعت أصوات معاصرة إلى مراجعة هذه الأنصبة باسم المساواة، غير أن الغالبية العظمى من العلماء ترى أنها قائمة على نصوص صريحة قطعية. وفي الحالات العملية، ينبغي أن يُعهد بقسمة التركة إلى متخصص.
العمل والحياة الاجتماعية
لا شيء يمنع المرأة من العمل، فقد كانت خديجة (رضي الله عنها)، أولى زوجات النبي ﷺ، تاجرة معروفة. وكانت زينب بنت جحش (رضي الله عنها) تعمل بيدها وتتصدق بما تكسب (رواه مسلم برقم 2452)؛ وكانت أسماء بنت أبي بكر (رضي الله عنهما) تسوس فرس زوجها وتنقل على رأسها النوى من أرضه (رواه البخاري برقم 5224)؛ وأذن النبي ﷺ لامرأة مطلّقة أن تخرج لتجدّ نخلها (رواه مسلم برقم 1483). ويوم أحد كانت عائشة وأم سليم (رضي الله عنهما) تنقلان الماء إلى المقاتلين (رواه البخاري برقم 2880). ويضبط العلماء هذا النشاط بالأخلاق الإسلامية (مراعاة الحشمة، والتوازن مع الحياة الأسرية، والتفاهم بين الزوجين)، ولما كانت النفقة على الزوج، كان العمل للمرأة حقًّا لا واجبًا.
المرأة في الأسرة
الزوجة
يصوّر القرآن الكريم الزواج علاقة مودّة ورحمة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]. والزوجان كلٌّ منهما لباس للآخر: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187]، ويأمر القرآن الأزواج: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]. ويقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228]؛ وقد فهم المفسرون هذه الدرجة على أنها مسؤولية القيادة والإنفاق على الأسرة، وروى الطبري عن ابن عباس (رضي الله عنهما) ما يُفهم منه أنها تدعو الرجل إلى مزيد من التسامح، فلا يستوفي كل حقوقه.
وقال النبي ﷺ: «… وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ» (رواه الترمذي برقم 1162)، وقال: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» (رواه مسلم برقم 1468). ولما سُئل عن حق الزوجة قال: «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ … وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ» (رواه أبو داود برقم 2142)، أي لا تقل لها قولًا قبيحًا. وأوصى في حجة الوداع: «فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ» (رواه مسلم برقم 1218). وكان هو نفسه يعين في أعمال البيت (رواه البخاري برقم 676)، ولم يضرب امرأة قط (رواه مسلم برقم 2328).
الأم
للأم منزلة رفيعة: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ﴾ [لقمان: 14]. ولما سأل رجل النبي ﷺ عن أحق الناس بحسن صحبته، قال له ثلاث مرات: «أُمُّكَ»، ثم قال: «ثُمَّ أَبُوكَ» (رواه البخاري برقم 5971، ومسلم برقم 2548). وقال لآخر أراد الخروج إلى الغزو: «فَالْزَمْهَا، فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ رِجْلَيْهَا» (رواه النسائي برقم 3104). وقد جمعنا أحاديث أخرى عن الأسرة في مختاراتنا من أحاديث النبي ﷺ.
نساء خلّد التاريخ الإسلامي ذكرهن
مريم وآسية، قدوتان لجميع المؤمنين
مريم، أم عيسى (عليهما السلام)، هي المرأة الوحيدة التي ذُكرت باسمها في القرآن الكريم، وتحمل اسمها سورة كاملة هي سورة مريم. ويقصّ القرآن أن أمها، امرأة عمران، نذرت لله ما في بطنها قبل ولادتها: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ [آل عمران: 35]. فلما وضعتها أنثى قالت: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: 36]، ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: 37]. وبشّرتها الملائكة: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 42].
وضرب الله تعالى آسية، امرأة فرعون، مثلًا ﴿لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التحريم: 11]، رجالًا ونساءً، لثباتها على إيمانها في وجه الطاغية: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: 11]. وقد ذكر النبي ﷺ مريم وآسية وخديجة وفاطمة بوصفهن من أكمل نساء العالمين، فقال: «حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ» (رواه الترمذي برقم 3878).
خديجة، أول من آمن
كانت خديجة بنت خويلد (رضي الله عنها) تاجرة ثرية من أهل مكة، وكانت أول من آمن برسالة النبي ﷺ، وآزرته بمالها ونفسها في أصعب السنين. وجاء جبريل (عليه السلام) يومًا يأمر النبيَّ ﷺ أن يُبلغها السلام من ربها، ويبشّرها ببيت في الجنة (رواه البخاري برقم 3820). وظلّ بعد وفاتها بسنين يذكرها ويكرم صديقاتها (رواه البخاري برقم 3818).
عائشة العالمة
عائشة بنت أبي بكر (رضي الله عنهما) من أكثر الناس رواية للحديث، إذ تزيد مروياتها على 2,000 حديث بحسب العدّ المشهور. وكانت فقيهة ومعلّمة، يستفتيها الصحابة في المسائل العويصة أكثر من أربعين سنة بعد وفاة النبي ﷺ، ولم تكن تتردد في تصحيح أخطائهم. وقد نوّه النبي ﷺ بفضلها العظيم على النساء فقال: «… وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» (رواه البخاري برقم 3411).
فاطمة، البنت الحبيبة
فاطمة (رضي الله عنها) بنت النبي ﷺ وخديجة، وزوجة علي، وأم الحسن والحسين (رضي الله عنهم)، وكانت شديدة القرب من أبيها حتى قال: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي» (رواه البخاري برقم 3714). وبشّرها بأنها سيدة نساء أهل الجنة: «أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ» (رواه البخاري برقم 3624).
أم سلمة وحفصة وغيرهما من نساء الجيل الأول
كانت أم سلمة (رضي الله عنها)، التي هاجرت إلى الحبشة، معروفة بالحكمة: فمشورتها هي التي حلّت أزمة الحديبية حين تباطأ الصحابة في الامتثال (رواه البخاري برقم 2731). وحفظت حفصة بنت عمر (رضي الله عنهما) الصحف التي جُمع فيها القرآن في خلافة أبي بكر (رضي الله عنه)، ومنها نسخ الخليفة عثمان (رضي الله عنه) المصاحف الرسمية (رواه البخاري برقم 4987). وكانت سمية (رضي الله عنها) أول شهيدة في الإسلام؛ وأعدّت أسماء بنت أبي بكر (رضي الله عنهما) الزاد للنبي ﷺ وأبيها حين اختبآ في غار ثور أثناء الهجرة؛ وبايعت نسيبة بنت كعب (رضي الله عنها) في العقبة، ودافعت عن النبي ﷺ يوم أحد بحسب كتب السيرة. ولما جاءت خولة بنت ثعلبة (رضي الله عنها) تشكو زوجها، أنزل الله تعالى في مطلع سورة المجادلة: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: 1].
بعد عصر الصحابة
واصلت النساء أداء دور مهم في نقل العلم. فكانت كريمة المروزية (ت. 463 هـ / نحو 1070 م) في مكة من كبار المرجعيات في رواية «صحيح» البخاري. وتنسب الرواية التي نقلها المؤرخ ابن أبي زرع (القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي) إلى فاطمة الفهرية تأسيس جامع القرويين في فاس نحو سنة 245 هـ (859 م)، وقد صار مركزًا علميًا شهيرًا؛ غير أن بعض المؤرخين يرون صعوبة التحقق من هذه الرواية. وفي عصرنا ألّف العالم محمد أكرم الندوي معجمًا للتراجم في 43 مجلدًا عن نحو 10,000 امرأة من راويات الحديث.
مسائل اختلف فيها العلماء
في عدد من المسائل لا يتفق العلماء، ومن الأمانة أن يقال ذلك. وهذه أبرزها بإيجاز:
- اللباس. يأمر القرآن الكريم الرجال والنساء بغضّ البصر وحفظ الفروج: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: 30]، ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: 31]، ويأمر المؤمنات بأن يضربن بخمرهن على صدورهن: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31]، ويأمرهن بإدناء جلابيبهن: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 59]. وترى المذاهب الأربعة وجوب ستر البدن والشعر؛ ويستثني الجمهور الوجه والكفين، في حين يرى فريق من العلماء، ولا سيما في المذهبين الحنبلي والشافعي، وجوب ستر الوجه أيضًا. وتنازع بعض الأصوات المعاصرة في وجوب غطاء الرأس، لكنها تبقى أقلية.
- تعدد الزوجات. أباحه القرآن الكريم إلى أربع زوجات بشرط العدل، وقال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: 3]؛ وأقرّ بأن العدل التام في المشاعر غير مستطاع: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: 129]. وتنظّمه قوانين كثير من البلدان الإسلامية، ويجيز المذهب الحنبلي للزوجة أن تشترط في عقدها ألّا يتزوج عليها.
- الشهادة. تطلب الآية 282 من سورة البقرة، لتوثيق الدَّين كتابةً، شاهدين من الرجال، أو ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282]. وقد بيّن علماء مثل ابن تيمية وابن القيم (رحمهما الله) أن هذا الحكم يتعلق بتوثيق العقود، لا بقيمة قول المرأة عمومًا؛ وفيما يختص بخبرة النساء تُقبل شهادة النساء وحدهن.
- الآية 34 من سورة النساء. تجعل للرجال القوامة على الأسرة، وتذكر تدابير عند النزاع الزوجي الشديد، منها الضرب. وقد قيّده الفقهاء القدامى تقييدًا صارمًا بضرب رمزي غير مؤلم، «بالسواك» كما روى الطبري عن ابن عباس (رضي الله عنهما)، ونهوا عن الضرب على الوجه (رواه أبو داود برقم 2142). ولم يضرب النبي ﷺ امرأة قط (رواه مسلم برقم 2328)، ويؤكد كثير من العلماء المعاصرين أن كل عنف زوجي يجرح أو يهين محرّم.
- الولايات العامة. يقصر جمهور الفقهاء رئاسة الدولة (الإمامة العظمى) على الرجال، استنادًا إلى حديث رواه البخاري (برقم 4425)، ويقصر كثير منهم القضاء عليهم؛ غير أن أبا حنيفة أجاز قضاء المرأة في المسائل المدنية، وأجازه الطبري مطلقًا. ولا تزال هذه المسائل محلّ نقاش إلى اليوم.
وفي الحالات الشخصية يحسن دائمًا استشارة عالم مؤهل، مطّلع على السياق الذي تعيش فيه.
خلاصة
يقرّر الإسلام تساوي المرأة والرجل في الكرامة أمام الله، ويعترف للمرأة بحقوق محددة، في التعليم والتملك والرضا بالزواج والمهر والميراث، ويجعل الإحسان إليها علامة على الإيمان. والأدوار والمسؤوليات داخل الأسرة متكاملة لا متطابقة، وقد كان تطبيقها العملي دائمًا موضع اجتهاد. وللتعرف على الإطار الأوسع لهذه التعاليم، اقرأ سيرتنا عن النبي محمد ﷺ، أو تصفّح قسمنا عن الإسلام.