Islamzoom

الإسلام

من هو الله؟ الإله الواحد في الإسلام

في قلب الإسلام عقيدةٌ واضحة عظيمة: ليس للكون إلا إلهٌ واحد، خالقُ كل شيء، لا شريك له ولا ندّ، يسمّيه المسلمون «الله». فمن هو؟ وكيف نعرفه؟ وماذا يقول القرآن عن صفاته؟ ولماذا نعبده؟ تعرض هذه الصفحة، انطلاقًا من القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة، ما يعلّمه الإسلام عن الله تعالى.

لفظ الجلالة «الله»

«الله» علمٌ على الربّ تبارك وتعالى في اللغة العربية. ويرى أكثر علماء العربية أن أصله «الإله»، حُذفت همزته وأُدغمت اللام في اللام، ومعناه المعبود بحقّ وحده؛ ويرى آخرون أنه اسم علمٍ مرتجل غير مشتق. وللكلمة نظائر في اللغات السامية: «ألاها» في الآرامية، و«إلوه» في العبرية وجمعها للتعظيم «إلوهيم»، والمقطع «إيل» الذي نجده في أسماء مثل جبرائيل وميكائيل وإسماعيل وإسرائيل.

فالله ليس «إله العرب» كما يُقال أحيانًا: فالمسيحيون واليهود الناطقون بالعربية يقولون «الله» أيضًا، والقرآن يقدّمه من سورته الأولى بأنه ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]. ويأمر بأن يُقال لأهل الكتاب: ﴿وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 46]. وبعيدًا عن صورة الإله القاسي التي ينسبها إليه بعضهم، تُفتتح 113 سورة من سور القرآن الـ114 بالبسملة، التي تذكره باسميه «الرحمن الرحيم».

توحيد الله

تلخّص سورة الإخلاص في أربع آيات تصوّر المسلمين لله تعالى:

﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]

وقد قال النبي محمد ﷺ عن هذه السورة القصيرة: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» (رواه البخاري برقم 5013)، لما تجمعه من أصول الاعتقاد. ولبيان التوحيد يقسّمه كثير من العلماء ثلاثة أقسام:

  • توحيد الربوبية: الله وحده الربّ، يخلق الكون ويملكه ويدبّره، وهو وحده يحيي ويميت.
  • توحيد الألوهية: هو وحده المستحقّ للعبادة، فالصلاة والدعاء والتوكّل والرجاء والخشية لا تُصرف إلا له، بلا واسطة.
  • توحيد الأسماء والصفات: أسماؤه وصفاته كاملة، يوصف بما وصف به نفسه في القرآن وبما وصفه به رسوله ﷺ، من غير تشبيهٍ له بخلقه.

وهذا التوحيد هو ما تعلنه الشهادتان، اللتان يدخل بهما المرء في الإسلام: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله». وضدّه الشرك: أن يُصرف لغير الله ما لا يستحقّه إلا هو.

ما يعلّمه القرآن عن الله

تعطي آية الكرسي، وهي من أكثر آيات القرآن تلاوةً، لمحةً من عظمته سبحانه:

﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255]

  • ليس كمثله شيء: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. ولا يحتاج إلى شيء مما يحتاج إليه خلقه: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: 14].
  • هو الخالق: خلق ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: 54]، و﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82].
  • يعلم كل شيء: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ … وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: 59]. ويعلم أقوالنا وأعمالنا، بل خواطرنا الدفينة: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16].
  • لا تراه الأبصار في الدنيا: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: 103]. لكن المؤمنين يرونه في الآخرة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]. وقال النبي ﷺ وهو ينظر إلى القمر ليلة البدر: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لاَ تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ» (رواه البخاري برقم 554).

ربٌّ رحيم قريب

للرحمة مكانةٌ مركزية في القرآن. يقول الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156]. وأخبر النبي ﷺ أن الله لما خلق الخلق كتب في كتابه، وهو عنده على العرش: «إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي» (رواه البخاري برقم 7404). وأخبر أن الله جعل الرحمة مئة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، «فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ» (رواه البخاري برقم 6000). ولما رأى امرأةً من السبي وجدت صبيًّا فألصقته ببطنها وأرضعته، قال لأصحابه: «اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» (رواه البخاري برقم 5999).

وهذه الرحمة مفتوحة لكل من رجع إليه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53]. وهو سبحانه ﴿الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: 14]، قريبٌ ممن دعاه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]. وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي … وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا … وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» (رواه البخاري برقم 7405).

نعم الله على الإنسان

كل ما يتمتّع به الإنسان فمن الله: الحياة، والماء، والطعام، والهواء الذي يتنفّسه، والنور، والأسرة، والصحة. ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34]. وقد كرّم الله الإنسان: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، ووهبه العقل والقدرة على التعلّم ونقل المعرفة: فأوّل ما نزل من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]، وفي الآيات نفسها وُصف الله بأنه ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: 4]. فالسعي إلى فهم العالم والابتكار والتقدّم ليس غريبًا عن الإيمان، بل هو من استثمار هذه النعم.

والجواب اللائق بهذه النعم هو الشكر، ويكون بالإيمان والعبادة وحسن استعمال ما أُعطيه الإنسان.

لماذا نعبد الله؟

يبيّن القرآن غاية الوجود الإنساني: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. والله غنيّ عن هذه العبادة، والإنسان هو المحتاج إليها. ففي الإسلام يولد كل إنسان على استعدادٍ فطري للإقرار بخالقه، هو الفطرة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30]، وقال النبي ﷺ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» (رواه البخاري برقم 1385). والعبادة تلبّي هذه الحاجة العميقة وتمنح السكينة: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

والعبادة لا تقتصر على الشعائر: فهي تشمل بالطبع الصلاة والصيام والزكاة والحج، لكنها تشمل أيضًا كل عمل يُبتغى به وجه الله مع التزام أمره: الصدق، وبرّ الوالدين، والعمل الحلال، وإعانة الناس، وطلب العلم ونشره. وعرّف النبي ﷺ الإحسان بأنه «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (رواه البخاري برقم 50). ومحبة الله طريقها اتّباع رسوله ﷺ: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31].

معرفة الله بالوحي

يستطيع العقل أن يهتدي إلى وجود الخالق بالتأمّل في عجائب خلقه، لكن الله عرّف بنفسه تفصيلًا عن طريق الوحي. فقد أرسل رسله إلى الأمم كلها: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]. ومنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، وصولًا إلى محمد ﷺ، ﴿رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40]. والإيمان بالله يقتضي الإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، كما في حديث جبريل المشهور (رواه مسلم برقم 8).

وفي القرآن يعرّفنا الله بنفسه من خلال أسمائه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]. وفي خواتيم سورة الحشر يتوالى ذكر عددٍ منها: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: 22]. والتفكّر في هذه الأسماء، كالغفور والعدل والحكيم والنور والسلام، من أفضل الطرق إلى معرفة الله: اكتشفها في صفحتنا عن أسماء الله الحسنى.

الرجوع إلى الله

والإيمان بالله لا ينفصل عن الإيمان بالآخرة. فللعالم نهاية، ثم يبعث الله الناس جميعًا ليحاسبهم بعدلٍ تامّ ورحمةٍ واسعة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: 40]. وهذا موضوع مقالنا عن يوم القيامة.

فمعرفة الله عند المسلم ليست مسألةً نظرية مجرّدة، بل هي اكتشاف ربٍّ واحد، قادرٍ على كل شيء، وهو مع ذلك قريب، سبقت رحمتُه غضبَه، وإليه يرجع كل إنسان. وللتعمّق، تبقى قراءة القرآن الكريم بتدبّر أقصر الطرق.

↑ ↓ للتنقل↵ للفتحEsc للإغلاق