Islamzoom

الإسلام

حقيقة الإسلام: سبعة مفاهيم شائعة في ضوء النصوص

تنتشر عن الإسلام أفكار خاطئة كثيرة. بعضها ناتج عن الجهل بهذا الدين، وبعضها الآخر، على العكس، حججٌ يردّدها مسلمون بحسن نية، لكنها غير دقيقة: أرقام مختلَقة، وإحالات خاطئة إلى الكتاب المقدس، وأقوال محرّفة. والقضية العادلة لا تحتاج إلى حجج واهية. لذلك نعرض هنا سبعة مفاهيم شائعة على القرآن الكريم والسنة الصحيحة والحقائق الثابتة، مع مراعاة ما يأمر به القرآن من احترام اليهود والمسيحيين: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: 46].

1. «محمد ﷺ هو مؤسس الإسلام»

كثيرًا ما يُقدَّم الإسلام على أنه دين جديد أسّسه النبي محمد ﷺ قبل أربعة عشر قرنًا. أما المسلمون فلا يرون ذلك: فالاستسلام لله الواحد هو دين البشرية منذ آدم (عليه السلام)، وقد دعا إليه الأنبياء جميعًا. فمحمد ﷺ ليس مؤسس الإسلام، بل هو آخر رسله: ﴿وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40]. والقرآن يصرّح بذلك:

﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13]

وكذلك: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا﴾ [آل عمران: 67]. أما المؤرخون، الذين يعملون بمناهج أخرى، فيؤرّخون بطبيعة الحال لنشأة الجماعة المسلمة في جزيرة العرب في القرن السابع الميلادي، مع دعوة النبي ﷺ. ولا تعارض بين النظرتين: فإحداهما تصف تاريخ جماعة، والأخرى تصف العقيدة التي تؤمن بها هذه الجماعة، وهي رسالة قديمة قِدَم النبوة، صدّقها القرآن وأكملها. تعرّف على سيرة النبي محمد ﷺ.

2. «محمد ﷺ هو نبي الإسلام الوحيد»

الإيمان بجميع الأنبياء جزء من عقيدة المسلم، والقرآن يأمر بإعلان ذلك:

﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 84]

وترد هذه الشهادة نفسها، موجّهةً هذه المرة إلى المؤمنين جميعًا، بصيغة ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 136]. وقد ذكر القرآن خمسة وعشرين نبيًّا بأسمائهم: آدم، وإدريس (ويرى كثيرون أنه أخنوخ المذكور في التوراة)، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، وذو الكفل، وداود، وسليمان، وإلياس، واليسع، ويونس، وزكريا، ويحيى، وعيسى (عليهم السلام)، ومحمد ﷺ. ولم يذكر أسماء آخرين: ﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: 78]، لأن الله بعث في كل أمة رسولًا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾ [النحل: 36]. وقد صوّر النبي ﷺ هذه الصلة بقوله: «الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ» (رواه البخاري برقم 3443، ومسلم برقم 2365)، والإخوة لِعَلّات هم الإخوة من أب واحد وأمهات مختلفة.

3. «لا مكانة لعيسى (عليه السلام) في الإسلام»

بل العكس هو الصحيح: فعيسى (عليه السلام) من أعظم أنبياء الإسلام. غير أنه ينبغي تصحيح رقم يتداوله كثيرون: فليس صحيحًا أن اسمه ورد في القرآن «أكثر من اسم محمد ﷺ بخمسمئة مرة». وهذه هي الأرقام الصحيحة:

الاسمعدد مرات وروده في القرآن
عيسى25
المسيح، وهو لقب عيسى (عليه السلام)11
مريم34
محمد4 (آل عمران 144، والأحزاب 40، ومحمد 2، والفتح 29)
أحمد، وهو من أسماء النبي ﷺ1 (الصف 6)
موسى136
إبراهيم69

فاسم عيسى (عليه السلام) يرد إذن نحو خمسة أضعاف اسم محمد ﷺ، لكن موسى (عليه السلام) هو أكثر الأنبياء ذكرًا بفارق كبير. ثم إن هذه الأرقام لا تقيس مكانة النبي ﷺ: فهو المخاطَب المباشر في القرآن من أوله إلى آخره، بفعل الأمر «قُلْ» (أكثر من ثلاثمئة مرة)، أو بالنداء «يا أيها النبي» و«يا أيها الرسول».

والصحيح هو المكانة الرفيعة التي يمنحها القرآن لعيسى وأمه (عليهما السلام). فمريم هي المرأة الوحيدة التي ذُكرت باسمها في القرآن، وسُمّيت باسمها سورة كاملة هي سورة مريم، وقالت لها الملائكة: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 42]. ويقصّ القرآن ولادة عيسى (عليه السلام) المعجزة من غير أب (مريم: 16-34)، ويسمّيه المسيح و«كلمةً» من الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: 45]، ويذكر معجزاته التي أجراها ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 49]. وقال النبي ﷺ: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» (رواه البخاري برقم 3443).

أما الفروق بين الإسلام والعقيدة المسيحية فهي حقيقية، وينبغي ذكرها بأمانة: فالإسلام يرى في عيسى (عليه السلام) رسولًا من البشر لا ابنًا لله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: 171] (وانظر: المائدة: 75)، ويقرّر القرآن أنه لم يُقتل ولم يُصلب: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: 157]. ويلاحظ بعض المسلمين أن القرآن لو كان من تأليف محمد ﷺ، وهو ما لا يعتقده المسلمون لأنهم يؤمنون بأنه كلام الله، لكان من الغريب أن يذكر «مؤلفه» اسمه بهذه القلّة، وأن يحتفي بهذا القدر بشخصيات أخرى. وهذه خاطرة يمكن لكل أحد أن يتأمّلها، لا دليل بالمعنى الدقيق.

4. «لم يُبشَّر بمحمد ﷺ في الكتاب المقدس»

يؤمن المسلمون بأن الكتب السابقة بشّرت بمجيء النبي ﷺ، لأن القرآن أخبر بذلك: فهو يذكر ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ [الأعراف: 157]، ويحكي أن عيسى (عليه السلام) جاء ﴿مُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصفّ: 6]. فخبر القرآن هو أساس هذا الاعتقاد عند المسلمين.

وقد تتبّع عدد من علماء المسلمين نصوصًا من الكتاب المقدس يقرؤونها بشاراتٍ بالنبي ﷺ، مثل شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728 هـ / 1328 م) في كتابه «الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح»، ورحمة الله الهندي الكيرانوي في كتابه «إظهار الحق» (1864). وأشهر هذه النصوص:

  • سفر التثنية 18:18: «أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ» (ترجمة فان دايك). ويرى هؤلاء العلماء أن المقصود ذرية إسماعيل (عليه السلام)، وهم «إخوة» بني إسرائيل، أما المسيحيون فيطبّقون النص على عيسى (عليه السلام) (أعمال الرسل 3:22).
  • إنجيل يوحنا 14:16: «وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ»، والمعزّي هو «البارقليط» أو «الفارقليط» في الأصل اليوناني. ويرى هؤلاء العلماء أنه النبي ﷺ، أما عند المسيحيين فهو الروح القدس، المذكور صراحةً بعد ذلك بآيات قليلة (يوحنا 14:26).

وثمة حجة أخرى، روّج لها بعض الدعاة المعاصرين، تحتاج إلى تصحيح. فكثيرًا ما يُقال إن اسم محمد ﷺ ورد صراحةً في سفر نشيد الأنشاد، «الإصحاح 20، الآية 16»، بلفظ «محمديم». والحال أن هذا السفر لا يضم إلا ثمانية إصحاحات، والمقصود هو نشيد الأنشاد 5:16، الذي تترجمه ترجمة فان دايك العربية هكذا: «حَلْقُهُ حَلاَوَةٌ وَكُلُّهُ مُشْتَهَيَاتٌ». والكلمة العبرية هي «مَحَمَدِّيم»، يقرؤها هؤلاء الدعاة على أنها اسم محمد مع صيغة جمع للتعظيم. أما المختصون في العبرية، يهودًا ومسيحيين، فيرون فيها صفة بمعنى «المشتهى، البهيّ»: إذ ترد الكلمة نفسها («مَحْمَد») في نحو عشر آيات أخرى من الكتاب المقدس العبري بمعنى «الشيء النفيس»، كما في مراثي إرميا 1:10، وحزقيال 24:16، وهوشع 9:16، وهو ما تعكسه الترجمة العربية نفسها في هذه المواضع: «مُشْتَهَيَاتِهَا»، و«شَهْوَةَ عَيْنَيْكَ»، و«مُشْتَهَيَاتِ بُطُونِهِمْ». ثم إن الجذر العبري (ح م د) يدلّ على الاشتهاء والرغبة، في حين يدلّ الجذر العربي المقابل على الحمد والثناء. فالأولى إذن ألا تُقدَّم هذه الحجة دليلًا.

وخلاصة القول أن إيمان المسلمين بالبشارة بالنبي ﷺ يقوم على القرآن، أما قراءة نصوص الكتاب المقدس على هذا النحو فاجتهادات تستحق الاحترام، لا يشاركهم فيها اليهود والمسيحيون.

5. «لا يحترم محمدًا ﷺ إلا المسلمون»

النبي ﷺ يحبه أتباعه قبل كل أحد بطبيعة الحال: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. لكن كثيرًا من الكتّاب غير المسلمين نوّهوا أيضًا بدوره الاستثنائي، وإن كان ينبغي نقل أقوالهم بدقة.

تصنيف مايكل هارت

في عام 1978 نشر الأمريكي مايكل هارت، وهو عالم فيزياء فلكية بتكوينه لا مؤرخ، كتابه «المئة: ترتيب أكثر الشخصيات تأثيرًا في التاريخ» (The 100: A Ranking of the Most Influential Persons in History)، المعروف في ترجمته العربية باسم «الخالدون المائة»، ثم أعاد نشره منقّحًا عام 1992 دون تغيير في المراتب العشر الأولى. وقد رتّب فيه مئة شخصية بحسب تأثيرها في التاريخ، وجاءت المراتب العشر الأولى كما يلي:

  1. محمد ﷺ
  2. إسحاق نيوتن
  3. عيسى (عليه السلام)
  4. بوذا
  5. كونفوشيوس
  6. بولس الطرسوسي
  7. تساي لون، الذي يُنسب إليه اختراع الورق
  8. يوهان غوتنبرغ
  9. كريستوفر كولومبوس
  10. ألبرت أينشتاين

ويعلّل هارت اختياره بقوله: «إن اختياري محمدًا ليتصدّر قائمة أكثر الأشخاص تأثيرًا في العالم قد يُدهش بعض القرّاء، وقد يعترض عليه آخرون، لكنه كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحًا منقطع النظير على المستويين الديني والدنيوي معًا». وتجدر الإشارة إلى أن هارت، وهو غير مسلم، ينظر إلى المسألة نظرة مؤرخ للتأثير، بل إنه ينسب القرآن إلى محمد ﷺ، وهو ما لا يعتقده المسلمون.

ما كتبه لامارتين وغاندي وغوته وديورانت ولوبون

  • ألفونس دي لامارتين، «تاريخ تركيا» (1854): «إذا كانت عظمة الغاية، وضآلة الوسائل، وضخامة النتائج هي المقاييس الثلاثة لعبقرية الإنسان، فمن ذا الذي يجرؤ على أن يقارن، بمقاييس البشر، أيَّ عظيم من عظماء التاريخ الحديث بمحمد؟». ويضيف: «فيلسوف، وخطيب، وداعية، ومشرّع، ومحارب، وفاتح أفكار […]، ذلكم هو محمد. فبأيّ مقياس قيست به العظمة الإنسانية، أيُّ رجل كان أعظم منه؟». وللأمانة ينبغي التنبيه إلى أن لامارتين، الذي بقي مسيحيًّا، يسارع بعد ذلك إلى تقديم عيسى (عليه السلام) عليه، ولا يقرّ بنبوّته ﷺ.
  • غاندي، في صحيفة «يونغ إنديا» (1924): «لقد ازددتُ اقتناعًا، أكثر من أي وقت مضى، بأن السيف لم يكن هو الذي كسب للإسلام مكانته في تلك الأيام، بل كانت البساطة الصارمة، وإنكار النبي التام لذاته، ورعايته الدقيقة للعهود، وإخلاصه الشديد لأصدقائه وأتباعه، وجرأته، وعدم خوفه، وثقته المطلقة بالله وبرسالته». فغاندي يتحدث هنا عن صدر الإسلام («في تلك الأيام»)، لا عن «العصر الحديث» كما ورد في بعض الترجمات.
  • غوته، في الحواشي التي ألحقها بـ«الديوان الشرقي للمؤلف الغربي» (1819)، يفرّق بين النبي والشاعر: فمحمد في نظره «نبيّ لا شاعر»، ولذلك ينبغي أن يُنظر إلى قرآنه على أنه شريعة إلهية، لا كتاب بشري وُضع للتعليم أو التسلية.
  • ويل ديورانت، الفيلسوف والمؤرخ الأمريكي، في «عصر الإيمان» (1950)، وهو من أجزاء موسوعته «قصة الحضارة»: «إذا حكمنا على العظمة بمقدار التأثير، فقد كان واحدًا من عمالقة التاريخ». فديورانت يقول «واحدًا من العمالقة»، لا «أعظمهم».
  • غوستاف لوبون، الطبيب وعالم الاجتماع الفرنسي، في «حضارة العرب» (1884): «إذا كان لا بد من الحكم على قيمة الرجال بعظمة الأعمال التي أسّسوها، أمكننا القول إن محمدًا كان من أعظم الرجال الذين عرفهم التاريخ». وهنا أيضًا: «من أعظم»، لا «الأعظم».

وتتداول الألسنة أقوالًا أخرى كثيرة، مثل القول المنسوب إلى جورج برنارد شو بأن رجلًا مثل محمد «سينجح في حل مشكلات» العالم الحديث. وغالبًا ما يُعزى هذا القول إلى مجلة صدرت في سنغافورة عام 1936 بعنوان «الإسلام الحقيقي» (The Genuine Islam)، ولم يُتحقَّق قطّ من مصدره الأصلي على نحو واضح، فالأولى ألا يُستشهد به. وفي النهاية يبقى أجمل الثناء ثناءَ القرآن: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. ويمكنك أن تحكم بنفسك بقراءة أحاديث النبي ﷺ.

6. «الأنبياء لم يأتوا جميعًا بدين واحد»

الأنبياء جميعًا، في نظر الإسلام، جاؤوا بالرسالة الأساسية نفسها: توحيد الله ووجوب عبادته وحده.

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]

غير أنه ليس دقيقًا القول بأنه لا يوجد «أدنى فرق» بين تعاليمهم: فالعقيدة واحدة، أما الشرائع فقد اختلفت باختلاف الأمم والعصور: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]. فلم تكن هيئة الصلاة، ولا أحكام الطعام، ولا أحكام يوم الراحة الأسبوعي، متطابقة في شريعة موسى (عليه السلام) وشريعة محمد ﷺ.

فلماذا تختلف اليهودية والمسيحية والإسلام إذن في مسائل جوهرية؟ يخبر القرآن أن الخلاف وقع بعد العلم: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: 19]، وأن بعض ما في الكتب السابقة نُسي أو حُرّف: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: 13] (وانظر: البقرة: 79). هذا هو موقف الإسلام، أما اليهود والمسيحيون فيفهمون كتبهم بطبيعة الحال فهمًا آخر. والقرآن نفسه يأبى أن يسوّي بين الجميع: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: 113].

7. «الإسلام ليس دين الأنبياء جميعًا»

كلمة «الإسلام» تعني الاستسلام لله، وبهذا المعنى يقرّر القرآن: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]. بل إنه يصف بالإسلام الأنبياءَ والمؤمنين الذين سبقوا محمدًا ﷺ: فإبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) يدعوان: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: 128]، وأبناء يعقوب (عليه السلام) يقولون: ﴿نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 133]، وموسى (عليه السلام) يقول لقومه: ﴿يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ [يونس: 84]، وحواريّو عيسى (عليه السلام) يقولون له: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 52].

من أين جاءت تسميتا «اليهودية» و«المسيحية»؟

من الحجج الشائعة القول بأن موسى وعيسى (عليهما السلام) لم يستعملا هاتين الكلمتين. وهذا صحيح، لكن الوقائع التي يُستدلّ بها على ذلك كثيرًا ما تكون خاطئة. وهذا تصحيحها:

  • كلمة «يهودي» نسبة إلى يهوذا (بالعبرية: يِهُودا)، أحد أبناء يعقوب (عليه السلام) الاثني عشر، وهو الرابع لا البكر، إذ كان البكر رأوبين (سفر التكوين 29:32-35). وقد أُطلق اسمه على سبط من الأسباط، ثم على مملكة يهوذا وإقليم اليهودية. أما اللفظ اليوناني الدالّ على «اليهودية» ديانةً، فأقدم وروده في سفر المكابيين الثاني (القرن الثاني قبل الميلاد).
  • ترد كلمة «مسيحي» ثلاث مرات في العهد الجديد، أولاها: «وَدُعِيَ التَّلاَمِيذُ مَسِيحِيِّينَ فِي أَنْطَاكِيَةَ أَوَّلًا» (أعمال الرسل 11:26). فالذين سُمّوا بهذا الاسم هم تلاميذ عيسى (عليه السلام)، والأرجح أن من حولهم هم الذين سمّوهم به، لا «أعداؤهم» كما يُقرأ أحيانًا. أما لفظ «المسيحية» فأقدم ما وصلنا من شواهده يعود إلى أوائل القرن الثاني الميلادي، في رسائل إغناطيوس الأنطاكي.

ويستخلص الكتّاب المسلمون من ذلك تأملًا: لو سُئل موسى أو عيسى (عليهما السلام) عن دينه، لما أجاب باسم لم يعرفه، بل لوصف الاستسلام التام لمشيئة الله، وهو ما تعبّر عنه العربية بكلمة «الإسلام». وهذا الاستدلال يعبّر عن قناعة المسلمين، ولا يُراد به إنكار الهوية التي يعرّف بها اليهود والمسيحيون أنفسهم.

بل يذهب القرآن أبعد من ذلك: فالخلق كله مستسلم لله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: 83]. والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب تسجد له: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحجّ: 18]. فالكون كله، بهذا المعنى، خاضع لسنن خالقه، أما الإنسان فمدعوّ إلى أن يستسلم لله حرًّا، عن اختيار ومحبة.

خاتمة

قد يُلخَّص ما سبق في عبارة: «إله واحد ورسالة واحدة». فموسى وعيسى (عليهما السلام) كانا، عند المسلمين، «مسلمَين» بالمعنى القرآني للكلمة، أي مستسلمَين لله، وإن لم يتّبعا محمدًا ﷺ الذي جاء بعدهما. أما اليوم، فأن تكون مسلمًا يعني أن تحيا هذا الاستسلام باتباع خاتم الرسل، بدءًا بالنطق بـالشهادتين. وبالحكمة التي يأمر بها القرآن ينبغي أن تُعرض هذه القناعة: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].

↑ ↓ للتنقل↵ للفتحEsc للإغلاق