الإسلام
الزكاة ركن من أركان الإسلام: معناها وقواعد حسابها ومستحقوها وزكاة الفطر
الزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام: جزء مقدَّر من المال يؤدّيه المسلم، إذا بلغت ثروته حدًّا معيّنًا، كلَّ عام إلى مستحقّيه. وليست ضريبة عادية، ولا مجرد كرم متروك لرغبة كل واحد، بل هي عبادة قرنها القرآن الكريم بالصلاة في آيات كثيرة، تطهّر المعطي وتعين الآخذ. يشرح هذا المقال معناها ومقاصدها الروحية، ثم أحكامها العملية: على من تجب، ومن أي حدّ (النصاب)، وبأي نسبة، ولمن تُعطى، إضافة إلى زكاة الفطر في ختام رمضان وصدقة التطوع.
ما معنى الزكاة؟
تجمع مادة «زكا» في اللغة العربية معنيين: الطهارة والنماء؛ يقال: زكا الزرع إذا نما وزاد، وزكّى نفسه إذا طهّرها. وقد جمع القرآن الكريم بين المعنيين في قوله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103]. فالزكاة تطهّر النفس من الشحّ، وتطهّر المال مما فيه من حق الفقراء؛ وهي كذلك تنمّيه، كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276]. وقال النبي ﷺ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» (رواه مسلم برقم 2588). وأثنى القرآن الكريم على ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ [الليل: 18]. وتُطلق كلمة «الصدقة» في القرآن الكريم على الزكاة المفروضة (التوبة: 60) وعلى صدقة التطوع معًا.
ركن من أركان الإسلام وقرينة الصلاة
الزكاة أحد الأركان الخمسة التي بُني عليها الإسلام، قال النبي ﷺ: «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (رواه البخاري برقم 8، ومسلم برقم 16). وقد ذكرها القرآن الكريم مرات كثيرة مقرونة بالصلاة، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43]، وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 110]. ومن صفات المؤمنين في القرآن الكريم: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (24) لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: 24-25]. وقد تقرّر أصلها منذ العهد المكي، أما أحكامها التفصيلية (الأنصبة والمقادير والمستحقون) فشُرعت في المدينة المنورة، ابتداءً من السنة الثانية للهجرة على القول الأشهر.
ولمّا بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن، أمره أن يُعلم أهلها أن الله افترض عليهم صدقة «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» (رواه البخاري برقم 1395، ومسلم برقم 19). وبعد وفاته ﷺ أبى الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن تفرّق بعض القبائل بين الصلاة والزكاة، وقال: «وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ» (رواه البخاري برقم 1400، ومسلم برقم 20).
وقد توعّد القرآن الكريم بشدة الذين يكنزون الأموال ولا يؤدّون هذا الحق:
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: 34-35]
وأخبر النبي ﷺ أن المال الذي لم تُؤدَّ زكاته يُمثَّل لصاحبه يوم القيامة شجاعًا أقرع، أي ثعبانًا عظيمًا، يطوّقه ثم يأخذ بشدقيه ويقول: «أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ»، ثم تلا ﷺ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: 180] (رواه البخاري برقم 1403). أما أصحاب الأنعام الذين لا يؤدّون زكاتها، فيُبطَحون لها يوم القيامة في أرض واسعة مستوية تطؤهم بأخفافها وأظلافها (رواه مسلم برقم 987).
المعنى الروحي للزكاة: علاج النفس من الشحّ
أبرز العلماء الذين تأمّلوا «أسرار» الزكاة، مثل شاه ولي الله الدهلوي رحمه الله (ت. 1176 هـ / 1762 م) في كتابه «حجة الله البالغة»، جوانب عدة منها.
كرم الله تعالى يجري على أيدي المؤمنين
إذا تضرّع المحتاج إلى الله، بلسان مقاله أو بلسان حاله، طرق دعاؤه باب الجود الإلهي، فيُلهم الله تعالى قلبَ مؤمنٍ الرغبةَ في إعانته: فمن استجاب لهذا الداعي صار سببًا لرحمة الله، وغمرته البركة بدوره. ويتحدّث شاه ولي الله عن «الملأ الأعلى» من الملائكة الذين يدعون للأسخياء؛ وفي الحديث: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» (رواه البخاري برقم 1442، ومسلم برقم 1010). ويؤكد ذلك القرآن الكريم: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبإ: 39].
وتعظم قيمة العطاء بقدر شدة الحاجة. ففي غزوة تبوك، التي سُمّي جيشها «جيش العسرة»، قال النبي ﷺ: «مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَلَهُ الْجَنَّةُ» (رواه البخاري برقم 2778)، فجهّزه عثمان بن عفان رضي الله عنه. فالعطاء في أوقات المجاعة أو الحرب أو الكوارث، حين تتوقف عليه الأرواح، من أجلّ الأعمال.
التحرّر من التعلّق بالمال
حبّ المال المفرط والشحّ من أمراض القلوب التي تصرف المؤمن عن طريقه إلى الله. وعلاجهما التمرّن على العطاء، ولا سيما مما يعزّ على النفس، قال تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]، وقال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: 16]. والزكاة، بانتظامها ومقاديرها المحدّدة، تربّي النفس على هذا التجرّد عامًا بعد عام، وتأتي صدقة التطوع لتكمّله.
تكفير الذنوب
والعطاء يصلح النفس التي أذنبت أيضًا، ففي الحديث: «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ» (رواه الترمذي برقم 2616 وقال: حسن صحيح). وكان النبي ﷺ يوصي: «أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا» (رواه الترمذي برقم 1987). وبهذه الروح جاءت كفّارات كثيرة في الشريعة الإسلامية إطعامًا للمساكين، كما في كفّارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89]؛ فالثمن المدفوع يذكّر بالذنب ويعين على عدم العودة إليه.
وثمة قولان يكثر الاستشهاد بهما ويحتاجان إلى بيان. الأول: «لاَ يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلاَّ الدُّعَاءُ، وَلاَ يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلاَّ الْبِرُّ» (رواه الترمذي برقم 2139 وقال: حسن غريب، وحسّنه الألباني). والمراد بالبرّ فيه الطاعة والإحسان عمومًا، ولا سيما برّ الوالدين، لا مجرد التخلّي عن المال؛ ويرى الشرّاح فيه إمّا بركةً في عمر المؤمن، وإمّا زيادةً حقيقية فيما هو مكتوب في صحف الملائكة، مع بقاء علم الله تعالى على حاله لا يتغيّر. والثاني: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ» (رواه الترمذي برقم 664 وقال: حسن غريب)، لكن إسناده ضعيف عند عدد من المحدّثين، منهم الألباني؛ فيُقدَّم عليه الحديث الصحيح المذكور آنفًا.
تكافل يحمي المجتمع
سُئل النبي ﷺ: أيّ الإسلام خير؟ فقال: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» (رواه البخاري برقم 12). والزكاة تمنح هذا التكافل صورة منتظمة: فهي تُدير الثروة في المجتمع، وتخفّف عن أشد الناس فقرًا، وتعين المدينين وأبناء السبيل المنقطعين، وتوثّق الروابط بين المؤمنين.
على من تجب الزكاة؟
تجب زكاة المال على المسلم الذي تتوافر فيه هذه الشروط:
- أن يملك أموالًا زكوية: الذهب، والفضة، والنقود والمدّخرات، وعروض التجارة، والزروع والثمار، والأنعام؛
- أن تبلغ هذه الأموال النصاب، أي الحدّ الأدنى، زيادةً على حاجاته الأصلية: فلا زكاة في المسكن الرئيسي، ولا في السيارة، ولا في الثياب والأثاث وأدوات العمل المعدّة للاستعمال الشخصي؛
- أن يكون مالكًا لها ملكًا تامًّا؛
- أن يمضي عليها حول قمري كامل، إلا الزروع والثمار فتجب زكاتها يوم الحصاد، والركاز (الكنز المدفون الذي يُعثر عليه).
واختلفت المذاهب الفقهية في عدة مسائل:
- مال الصبي والمجنون تجب فيه الزكاة، ويُخرجها الوليّ، عند المالكية والشافعية والحنابلة؛ ولا تجب فيه عند الحنفية (إلا في الزروع والثمار وزكاة الفطر)؛
- حليّ الذهب والفضة المعدّ للاستعمال الشخصي لا زكاة فيه عند الجمهور، وتوجب فيه الحنفية الزكاة، وينصح بعض العلماء بإخراجها احتياطًا؛
- الديون تُخصم من الأموال الزكوية عند الحنفية والحنابلة، وتُخصم من النقود عند المالكية، ولا تُخصم عند الشافعية.
النصاب: الحدّ الذي تجب فيه الزكاة
قال النبي ﷺ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ مِنَ الإِبِلِ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (رواه البخاري برقم 1447، ومسلم برقم 979). والأواقي الخمس تعادل 200 درهم من الفضة؛ أما الذهب فنصابه 20 دينارًا، يُخرج منها نصف دينار، ففي الحديث: «فَإِذَا كَانَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ» (رواه أبو داود برقم 1573، وصحّحه الألباني).
وهذا يعادل، بحسب التقدير الأشهر، 85 غرامًا من الذهب أو 595 غرامًا من الفضة (وثمة تقديرات أخرى، شائعة خصوصًا في جنوب آسيا، تبلغ نحو 87.5 غرامًا و612 غرامًا). أما النقود والمدّخرات وعروض التجارة، فقد اختلف العلماء المعاصرون في المعيار الذي يُقدَّر به نصابها:
- فكثيرون يعتمدون الذهب، لأن قيمته أقرب إلى القوة الشرائية التي كان يمثّلها النصاب في عهد النبي ﷺ؛ وهو مثلًا رأي الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله في كتابه «فقه الزكاة»؛
- ويفضّل آخرون، ولا سيما في المذهب الحنفي، الفضة، التي صار نصابها اليوم أدنى بكثير، لأنها الأنفع للفقراء.
وتتغيّر قيمة النصاب بتغيّر أسعار المعدنين: فاحسبها يوم إخراج زكاتك بحسب سعر غرام الذهب أو الفضة، أو ارجع إلى المبلغ التقريبي الذي ينشره مسجدك أو هيئة زكاة موثوقة.
الحول: سنة قمرية
قال النبي ﷺ: «لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» (رواه ابن ماجه برقم 1792، وأبو داود برقم 1573). والسنة المعتبرة هي السنة الهجرية، ومدتها نحو 354 يومًا. ويختار كثير من المسلمين تاريخًا ثابتًا، غالبًا في رمضان، يجمعون فيه كل أموالهم الزكوية؛ ومن يفضّل الحساب بالسنة الشمسية يطبّق غالبًا نسبة أعلى قليلًا (2.577%) مراعاةً لفارق الأيام الأحد عشر. ويجوز عند جمهور العلماء تعجيل الزكاة قبل تمام الحول.
كم تُخرج؟ مقادير الزكاة
| المال | النصاب | المقدار الواجب |
|---|---|---|
| الذهب، والفضة، والنقود، والحسابات والمدّخرات | 85 غرامًا من الذهب أو 595 غرامًا من الفضة (انظر أعلاه) | 2.5% (ربع العشر) |
| عروض التجارة | النصاب نفسه، بحسب قيمتها السوقية يوم الحساب | 2.5% |
| الحبوب والثمار المدّخرة (التمر، والزبيب…) | 5 أوسق، أي نحو 600 إلى 650 كيلوغرامًا بحسب التقديرات | 10% فيما سقته الأمطار أو الأنهار، و5% فيما سُقي بكلفة كبيرة |
| الأنعام (الإبل، والبقر، والغنم والماعز) | 5 من الإبل، و30 من البقر، و40 من الغنم أو الماعز | بحسب جدول مقدَّر بعدد الرؤوس |
| الركاز (الكنز المدفون الذي يُعثر عليه) | لا نصاب له عند الجمهور | 20% |
ونسبة 2.5% هي «ربع العشر» الوارد في كتاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الزكاة: «وَفِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ» (رواه البخاري برقم 1454)، والرِّقة: الفضة المضروبة. وفي الزروع والثمار جعل النبي ﷺ العُشر فيما سقته الأمطار والعيون، ونصف العشر فيما سُقي بالآبار والسواني، فقال: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» (رواه البخاري برقم 1483)؛ وتجب زكاتها يوم حصادها، قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]. واختلفت المذاهب في الأصناف التي تجب فيها: فهي كل ما تُخرجه الأرض عند الحنفية، والأقوات المدّخرة عند سائر المذاهب. أما خُمس الركاز ففي قوله ﷺ: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» (رواه البخاري برقم 1499).
وتجب زكاة الأنعام في السائمة التي ترعى الكلأ المباح أكثر العام (ويوجبها المالكية أيضًا في المعلوفة والعوامل). ففي الغنم والماعز شاة واحدة من 40 إلى 120، وشاتان من 121 إلى 200، وثلاث من 201 إلى 300، ثم في كل مئة شاة؛ وفي الإبل شاة عن كل خمس إلى 24، ثم نوقٌ صغار تكبر أسنانها بازدياد عدد القطيع (رواه البخاري برقم 1454)؛ وفي البقر تبيع أو تبيعة (عجل له سنة) عن كل ثلاثين، ومسنّة (لها سنتان) عن كل أربعين (رواه الترمذي برقم 623، وأبو داود برقم 1576).
مثال: في تاريخ زكاتك، لديك 9,000 يورو في حساباتك ودفتر توفيرك، و1,500 يورو نقدًا، وعروض تجارة قيمتها 2,000 يورو، فالمجموع 12,500 يورو. فإذا تجاوز هذا المجموع النصاب، وجب عليك: 12,500 × 2.5% = 312.50 يورو. أما الأسهم والاستثمارات ومدّخرات التقاعد والعملات المشفّرة، فتتباين فيها الآراء المعاصرة بحسب طبيعة الاستثمار: فاستشر هيئة زكاة أو عالمًا مؤهلًا.
لمن تُعطى الزكاة؟ الأصناف الثمانية
حدّد القرآن الكريم مستحقي الزكاة تحديدًا دقيقًا:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60]
- الفقراء: الذين لا يجدون ما يسدّ أساسيات حاجاتهم؛
- المساكين: الذين لا تكفيهم مواردهم (واختلفت المذاهب في أيّ الصنفين أشدّ حاجة)؛
- العاملون عليها: الذين يجمعون الزكاة ويديرونها، ويُعطَون منها أجرهم؛
- المؤلّفة قلوبهم: كحديثي العهد بالإسلام، أو من يُرجى تقريبهم منه؛
- في الرقاب: أي عتق الرقيق، ويُطبّقه كثير من العلماء اليوم على فداء الأسرى؛
- الغارمون: المدينون العاجزون عن سداد دين استدانوه لحاجة مباحة، أو لإصلاح ذات البين؛
- في سبيل الله: وقد فُهم تقليديًّا على أنه الجهاد دفاعًا عن الأمة، ووسّعه بعض العلماء المعاصرين ليشمل قضايا أخرى من المصالح العامة للإسلام؛
- ابن السبيل: المسافر المنقطع عن ماله، وإن كان غنيًّا في بلده.
ولا تُعطى الزكاة للغني، ولا للقوي القادر على الكسب، لقوله ﷺ: «وَلاَ حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلاَ لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» (رواه أبو داود برقم 1633، والنسائي برقم 2598)؛ ولا لمن تجب على المزكّي نفقتهم، وهم أصوله (الوالدان والأجداد) وفروعه (الأولاد والأحفاد) وزوجته؛ ولا لآل النبي ﷺ (رواه مسلم برقم 1072). غير أن الزوجة يجوز لها، عند كثير من العلماء، أن تعطي زكاتها زوجها الفقير، كما أذن النبي ﷺ لزينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما (رواه البخاري برقم 1466). بل إن إعطاء القريب الفقير الذي لا تجب نفقته مضاعَف الأجر: «إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» (رواه النسائي برقم 2582).
والأفضل أن تُخرَج الزكاة في البلد الذي يقيم فيه المزكّي، فهي «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ»، لكن كثيرًا من العلماء يجيزون نقلها إلى بلد آخر إذا كانت الحاجة فيه أشد، كما في المجاعات والكوارث. ويمكن دفعها مباشرة إلى المستحقين، أو عن طريق مسجد أو جمعية موثوقة توزّعها مع مراعاة الأصناف الثمانية. ولا بد من نية الزكاة عند إخراجها. والإسرار بها أفضل، قال تعالى: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 271]، ولا تُبطَل الصدقة بالمنّ والأذى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾ [البقرة: 264].
زكاة الفطر: صدقة ختام رمضان
زكاة الفطر غير زكاة المال. قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ» (رواه البخاري برقم 1503، ومسلم برقم 984)، والمراد صلاة العيد.
- على من تجب؟ على كل مسلم يملك ما يُخرجها به، زائدًا على قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته (ويشترط الحنفية ملك النصاب). ويُخرجها ربّ الأسرة عن نفسه وعمّن تلزمه نفقتهم، ومنهم الأطفال.
- لماذا؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاَةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاَةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» (رواه أبو داود برقم 1609، وابن ماجه برقم 1827، وهو حديث حسن).
- متى؟ قبل صلاة عيد الفطر. وكان الصحابة رضي الله عنهم يُعطونها قبل العيد بيوم أو يومين (رواه البخاري برقم 1511)؛ ويجيز الشافعية إخراجها من أول رمضان.
- كم؟ صاع عن كل شخص، أي أربعة أمداد (والمدّ ملء الكفّين المجتمعتين)، وهو ما يعادل نحو 2 إلى 3 كيلوغرامات من القوت الغالب بحسب نوعه وبحسب التقديرات: التمر، والقمح، والشعير، والأرز، والزبيب…
- طعامًا أم نقدًا؟ يرى جمهور العلماء (المالكية والشافعية والحنابلة) إخراجها طعامًا، كما فرضها النبي ﷺ. ويجيز الحنفية إخراج قيمتها نقدًا، وقد أخذت بهذا القول هيئات إسلامية كثيرة في أوروبا لأنه أنسب لحاجات الفقراء اليوم. وتنشر المساجد والمجالس الدينية كل عام مبلغًا تقريبيًّا.
ولمعرفة الموعد المتوقع للعيد، اطّلع على صفحتنا عن نهاية رمضان وعيد الفطر.
صدقة التطوع
وفضلًا عن الزكاة المفروضة، يحثّ الإسلام على صدقة التطوع، بلا نصاب ولا موعد، وبكل صورها: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» (رواه البخاري برقم 6021، ومسلم برقم 1005)، و«تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ» (رواه الترمذي برقم 1956). ومن تعاليمها:
- أن القليل له وزنه: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» (رواه البخاري برقم 1417، ومسلم برقم 1016)؛ والله تعالى يتقبّل الصدقة من الكسب الطيب، ثم يربّيها لصاحبها كما يربّي أحدنا مُهره، حتى تكون مثل الجبل (رواه البخاري برقم 1410)؛
- أن أفضل الصدقة ما كان في حال الصحة والحرص على المال، قال ﷺ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى» (رواه البخاري برقم 1419)، دون انتظار أن تبلغ الروح الحلقوم؛
- أن العطاء خير من الأخذ: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى» (رواه البخاري برقم 1429، ومسلم برقم 1033)؛
- أن من السبعة الذين يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه: «رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» (رواه البخاري برقم 1423، ومسلم برقم 1031)؛
- أن الصدقة الجارية، كبئر أو مدرسة، من الأعمال الثلاثة التي يستمر أجرها بعد الموت، مع العلم النافع والولد الصالح الذي يدعو لوالديه (رواه مسلم برقم 1631).
﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261]
وشهر رمضان موسم مميّز للجود والكرم: انظر نصائحنا حول مضاعفة الحسنات في رمضان. وفي الحالات الخاصة (الشركات، والميراث، والاستثمارات)، استشر عالمًا مؤهلًا أو هيئة زكاة معترفًا بها. وتعرّف كذلك إلى ركنين آخرين: الصلاة والحج إلى بيت الله الحرام، واستمع إلى سورة التوبة التي فيها آية مصارف الزكاة.