الإسلام
سيرة النبي محمد ﷺ من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة
النبي محمد ﷺ عند المسلمين هو خاتم الرسل الذين بعثهم الله تعالى إلى الناس: عليه أُنزل القرآن الكريم، وسنّته تُبيّن كيف يُعاش هذا الوحي في الحياة اليومية. وُلد في مكة المكرمة نحو سنة 570 م، وتُوفّي في المدينة المنورة سنة 632 م؛ فعاش أربعين سنة قبل البعثة، ثم ثلاث عشرة سنة من الدعوة الشاقّة في مكة، ثم عشر سنين في المدينة أسّس فيها أول مجتمع إسلامي. وتعرض هذه السيرة أبرز مراحل حياته كما وردت في المصادر الأصيلة، مع التنبيه على التواريخ التقريبية أو المختلف فيها.
مصادر السيرة النبوية
تقوم معرفتنا بحياة النبي ﷺ أولًا على القرآن الكريم، الذي تناول كثيرًا من أحداث دعوته، ثم على الحديث النبوي، أي ما نقله الصحابة (رضي الله عنهم) من أقواله وأفعاله، وقد محّصه علماء الحديث ونقدوا أسانيده. ودُوّنت السيرة النبوية منذ القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي)، وأصل كتبها الجامعة كتاب محمد بن إسحاق (ت. نحو 150 هـ / 767 م)، الذي وصل إلينا أساسًا في تهذيب عبد الملك بن هشام (ت. نحو 218 هـ / 833 م) المعروف بـ«سيرة ابن هشام». ويُضاف إليه كتاب «المغازي» للواقدي، و«الطبقات الكبرى» لابن سعد، و«تاريخ الرسل والملوك» للطبري. ومن أشهر المؤلفات الحديثة كتاب «الرحيق المختوم» لصفي الرحمن المباركفوري، وقد تُرجم إلى لغات كثيرة، ومن الكتب التي عرّفت بالسيرة في اللغات الأوروبية كتاب مارتن لينغز (Martin Lings) عن حياة النبي ﷺ، وكتاب «نبي الإسلام» (Le Prophète de l’Islam) لمحمد حميد الله.
ولا تتفق هذه المصادر دائمًا في التفاصيل، ولا سيما في التواريخ. فقد كان العرب قبل السنة العاشرة من الهجرة يؤخّرون بعض الأشهر عن مواضعها، وهو «النسيء» الذي أبطله القرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37]؛ ولذلك لا تكون مقابلة السنوات الأولى بالتقويم الميلادي إلا تقريبية. والتواريخ الواردة في الجدول الآتي هي التي يعتمدها المؤرخون عادة.
| الحدث | التاريخ التقريبي |
|---|---|
| المولد في مكة المكرمة، عام الفيل | نحو 570 م |
| الزواج من خديجة (رضي الله عنها) | نحو 595 م |
| بدء نزول الوحي في غار حراء | 610 م |
| بداية الجهر بالدعوة | نحو 613 م |
| هجرة بعض المسلمين إلى الحبشة | 615 م |
| عام الحزن، والخروج إلى الطائف | 619 م |
| الهجرة إلى المدينة (السنة 1 هـ) | 622 م |
| غزوة بدر (السنة 2 هـ) | 624 م |
| غزوة أحد (السنة 3 هـ) | 625 م |
| غزوة الخندق (السنة 5 هـ) | 627 م |
| صلح الحديبية (السنة 6 هـ) | 628 م |
| فتح مكة (السنة 8 هـ) | 630 م |
| حجة الوداع (السنة 10 هـ) | 632 م |
| الوفاة في المدينة المنورة (السنة 11 هـ) | 632 م |
مكة ونسب النبي ﷺ
كانت مكة في القرن السادس الميلادي مدينة تجارية من مدن الحجاز، قامت في وادٍ قاحل حول الكعبة المشرفة. وبحسب القرآن الكريم، رفع إبراهيم وابنه إسماعيل (عليهما السلام) قواعد هذا البيت لعبادة الله وحده: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: 127]. غير أن عبادة الأصنام تسلّلت إليه على مرّ القرون. وكانت قبيلة قريش، القائمة على البيت الحرام، تستمد مكانتها من الحج ومن قوافل التجارة التي تذكرها سورة قريش: ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش: 2]. وكان نفر قليل من الرجال، عُرفوا بالحُنفاء، يأبون عبادة الأوثان ويلتمسون دين إبراهيم (عليه السلام).
والنبي ﷺ هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ، من بني هاشم، وهم بطن شريف من قريش. وقد اتفق النسّابون على نسبه إلى عدنان، جدّ العرب العدنانية (عرب الشمال)، الذي تردّه الرواية إلى إسماعيل (عليه السلام)، واختلفوا فيما فوق ذلك. وأمه آمنة بنت وهب من بني زُهرة، وهم من قريش أيضًا. وكان جده عبد المطلب من وجهاء مكة، وإليه كانت سقاية الحجيج، وتنسب إليه الرواية إعادة حفر بئر زمزم.
المولد والطفولة (نحو 570-583 م)
عام الفيل
وُلد النبي ﷺ في مكة في العام الذي سار فيه أبرهة، حاكم اليمن من قِبل مملكة أكسوم (في الحبشة)، إلى مكة بجيش معه الفيلة ليهدم الكعبة، فأهلك الله جيشه كما تقصّ سورة الفيل. ويوافق «عام الفيل» هذا في المشهور سنة 570 أو 571 م، وإن كان بعض المؤرخين يرون أن حملة أبرهة وقعت قبل ذلك ببضع سنين، بل بعقدين من الزمن.
أما يوم مولده فمعروف: فقد سُئل النبي ﷺ عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ» (رواه مسلم برقم 1162). وكان ذلك في شهر ربيع الأول. وأشهر الأقوال أنه الثاني عشر منه، وهو ما رواه ابن إسحاق، وقال غيره من العلماء: الثاني أو الثامن أو التاسع، ولا سبيل إلى القطع في ذلك.
وتُوفّي أبوه عبد الله قبل ولادته في أكثر الروايات، بيثرب (المدينة لاحقًا)، وهو عائد من رحلة تجارية. وإلى يُتمه يشير القرآن الكريم: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ﴾ [الضحى: 6].
في بادية بني سعد عند حليمة
جرت عادة أهل مكة أن يدفعوا بأطفالهم الرُّضّع إلى مرضعات من البادية، إذ كان هواء الصحراء يُعدّ أصحّ للأبدان، وكان الطفل ينشأ فيها على عربية فصيحة. فدُفع المولود إلى حليمة السعدية من بني سعد بن بكر. وفي روايتها التي حفظها ابن إسحاق أن المرضعات الأخريات أعرضن عن هذا اليتيم، إذ لم يكنّ يرجون من أهله أجرًا يُذكر، فلما لم تجد حليمة رضيعًا غيره أخذته، وحدّثت أن أهلها رأوا منذ ذلك الحين خيرًا وبركة لم يعهدوهما.
وفي بني سعد وقعت حادثة شق الصدر: كان الصبي يلعب مع الغلمان، فأتاه جبريل (عليه السلام) فشقّ صدره واستخرج قلبه، ثم استخرج منه علقة وقال: «هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ»، ثم غسله بماء زمزم (رواه مسلم برقم 162). فخشيت حليمة عليه، وما لبثت أن ردّته إلى أمه، وكان عمره يومئذ نحو أربع سنين أو خمس بحسب الروايات.
يتيم الأب والأم
ولما بلغ نحو ست سنين، خرجت به أمه إلى يثرب لزيارة أخوال جده من بني النجار. وفي طريق العودة مرضت آمنة وتوفيت بالأبواء، بين المدينة ومكة. فكفله جده عبد المطلب وأحاطه بعطف كبير، فلما مات بعد ذلك بسنتين كفله عمه أبو طالب، والد علي (رضي الله عنه). ولم يكن أبو طالب ذا مال، لكنه ربّاه كأحد أبنائه، وظل يحميه طوال حياته.
وفي صباه كان يرعى الغنم لأهل مكة على أجر يسير، وقد قال فيما بعد: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ» (رواه البخاري برقم 2262). وفي نحو الثانية عشرة من عمره خرج مع أبي طالب في تجارة إلى الشام. وتذكر كتب السيرة في هذه الرحلة لقاءه بالراهب النصراني بحيرى، الذي يقال إنه رأى فيه علامات النبي المنتظر. وهذه القصة المشهورة رواها الترمذي (برقم 3620)، غير أن أهل الحديث تكلّموا في صحتها وفي عدد من تفاصيلها.
الشباب: الأمين وزواجه من خديجة
عُرف محمد ﷺ في شبابه باستقامته، حتى لُقّب «الأمين». وتذكر الرواية أنه لم يشارك قطّ في عبادة الأصنام. وروى ابن إسحاق أنه شهد في شبابه «حلف الفضول»، وهو حلف تعاهدت فيه بطون من قريش على نصرة كل مظلوم بمكة، من أهلها كان أو من غيرهم، وأنه قال بعد ذلك إنه لو دُعي إلى مثله في الإسلام لأجاب.
ثم اشتغل بالتجارة. وكانت خديجة بنت خويلد أرملةً ذات شرف ومال، تتّجر بالقوافل، فدفعت إليه مالها ليخرج به إلى الشام، ومعه غلامها ميسرة. فلما رأت أمانته وما ربحته تلك الرحلة، عرضت عليه الزواج بواسطة صديقتها نفيسة بنت مُنية. وكان عمره خمسًا وعشرين سنة، وعمرها أربعين سنة في الرواية الأشهر التي ذكرها ابن سعد، وثمانيًا وعشرين في روايات أخرى. ودام زواجهما نحو خمس وعشرين سنة في سعادة ووفاق، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.
ورزقه الله من خديجة ستة أولاد: ابنين هما القاسم، وبه كان يُكنّى «أبا القاسم»، وعبد الله، وقد ماتا صغيرين، وأربع بنات هن زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة (رضي الله عنهن). وضمّ البيت أيضًا زيد بن حارثة، وكان غلامًا مملوكًا وهبته خديجة لزوجها فأعتقه ثم تبنّاه، وابن عمه الصغير علي بن أبي طالب، الذي كفله تخفيفًا عن أبي طالب.
ولما بلغ نحو خمس وثلاثين سنة شارك في إعادة بناء الكعبة بعد ما أصابها من تصدّع. فلما اختلفت البطون في شرف وضع الحجر الأسود في مكانه، اتفقوا على أن يحتكموا إلى أول من يدخل المسجد، فدخل محمد ﷺ. فوضع الحجر في رداء، وأمر رجلًا من كل قبيلة أن يأخذ بطرف منه، ثم وضعه بيده في موضعه، فحسم نزاعًا كاد أن تُسفك فيه الدماء.
نزول الوحي في غار حراء (610 م)
ولما قارب الأربعين حُبّب إليه الخلاء، فكان يعتزل الليالي ذوات العدد في غار حراء بجبل النور قرب مكة، يتعبّد فيه بعيدًا عن الناس. وقد وصفت عائشة (رضي الله عنها) بداية الوحي فقالت: «أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ». ثم في شهر رمضان من نحو سنة 610 م جاءه المَلَك جبريل (عليه السلام) فقال: «اقْرَأْ»، فقال: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، فضمّه إليه ضمًّا شديدًا ثلاث مرات، ثم تلا عليه أوائل ما نزل من القرآن (رواه البخاري برقم 3):
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]
وهذه الآيات هي مطلع سورة العلق. ويرى كثير من العلماء أن تلك الليلة كانت ليلة القدر التي قال الله تعالى فيها: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1].
فرجع رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، حتى دخل على خديجة فقال: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي». فلما أخبرها بما خشي على نفسه، طمأنته بكلمات بقيت مشهورة: «كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ» (رواه البخاري برقم 3). ثم انطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان شيخًا كبيرًا قد تنصّر في الجاهلية وعرف الكتب السابقة، فعرف ورقة من خبره أن الذي جاءه هو الناموس الذي أنزله الله على موسى (عليه السلام)، أي جبريل، وأنبأه بأن قومه سيُخرجونه، وقال: «لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ». وكانت خديجة (رضي الله عنها) أول من آمن برسالته.
ثم انقطع الوحي مدةً اختُلف في طولها: أيامًا أو أسابيع عند بعض العلماء، وسنتين أو ثلاثًا عند آخرين، وقد اشتدّ عليه هذا الانتظار. ثم عاد المَلَك، ونزلت الآيات التي أمرته بالإنذار: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدّثّر: 1-3] (رواه البخاري برقم 4). ومنذ ذلك الحين تتابع الوحي نحو ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع والأحوال. وكان جبريل (عليه السلام) يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه ما نزل من القرآن، وعارضه به مرتين في العام الذي قُبض فيه (رواه البخاري برقم 6 و4998). ولمعرفة المزيد عن الكتاب المنزَّل، انظر صفحتنا عن القرآن الكريم وتلاوته.
الدعوة في مكة (610-622 م)
السابقون الأولون
ظلت الدعوة سرّية نحو ثلاث سنين. وكان أول من أسلم بعد خديجة أقرب الناس إليه: علي، وهو صبي، وزيد بن حارثة، وصديقه أبو بكر (رضي الله عنهم). وكان أبو بكر تاجرًا محبوبًا في قومه، فأسلم على يديه رجال كان لهم شأن عظيم في تاريخ الإسلام، منهم عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله (رضي الله عنهم). وكان المؤمنون يجتمعون خاصة في دار الأرقم بن أبي الأرقم قرب الصفا. وكانت الرسالة تقوم على أصول قليلة واضحة: توحيد الله، ورسالة محمد ﷺ، والبعث والحساب، والصلاة، والعدل، والإحسان إلى الفقراء والأيتام والعبيد.
الجهر بالدعوة وعداء قريش
ولما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]، صعد النبي ﷺ على الصفا ونادى بطون قريش حتى اجتمعوا، فقال: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟»، قالوا: «نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا»، قال: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ». فردّ عليه عمه أبو لهب بازدراء، فنزلت فيه سورة المسد (رواه البخاري برقم 4770).
ورأى كبراء مكة في هذه الدعوة خطرًا على دينهم وسلطانهم وتجارتهم المرتبطة بالحج. فحاولوا أولًا أن يصرفوا الناس عنه، فرموه بأنه شاعر أو كاهن أو ساحر، ثم انتقلوا إلى الاضطهاد. وكان أشدّ الناس تعرّضًا للأذى المؤمنون الذين لا تحميهم قبيلة: كبلال بن رباح الحبشي، وكان مملوكًا فعُذّب تحت حرّ الشمس، وخبّاب بن الأرت، وآل ياسر الذين ماتت منهم سمية تحت التعذيب فكانت أول شهيدة في الإسلام. وأوذي النبي ﷺ نفسه وسُبّ، لكن عمه أبا طالب أبى أن يُسلمه إليهم، وإن لم يدخل في الإسلام.
الهجرة إلى الحبشة (615 م)
وفي سنة 615 م، وهي السنة الخامسة من البعثة، أشار النبي ﷺ على فريق من المؤمنين بالهجرة إلى الحبشة (إثيوبيا اليوم)، وكان ملكها النصراني النجاشي معروفًا بالعدل. فعبرت البحر الأحمر جماعة أولى من نحو خمسة عشر شخصًا، فيهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت النبي ﷺ. ثم تبعتها موجة ثانية أكبر، عدّ ابن إسحاق فيها 83 رجلًا، ومعهم نساء وأطفال، يتقدمهم جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه).
فأرسلت قريش إلى النجاشي رسولين بالهدايا، أحدهما عمرو بن العاص، ليردّ إليها اللاجئين. وتروي أم سلمة (رضي الله عنها)، وكانت من المهاجرين، أن الملك أبى إلا أن يسمع من المسلمين أولًا. فبيّن له جعفر كيف صرفهم الإسلام عن الأصنام والظلم، ثم تلا عليه صدرًا من سورة مريم، التي تقصّ خبر مريم وعيسى (عليهما السلام)، فبكى النجاشي، وأبى أن يُسلم من جاؤوا يستجيرون به.
وفي مكة، أعاد إسلامُ رجلين مهيبين، هما حمزة بن عبد المطلب عمّ النبي ﷺ، ثم عمر بن الخطاب نحو سنة 616 م، الثقةَ إلى نفوس المؤمنين. فردّت قريش بالمقاطعة: فطوال نحو ثلاث سنين قوطع بنو هاشم وبنو المطلب، مسلمهم وكافرهم، فلا يُبايَعون ولا يُناكَحون، واضطروا إلى الانحياز إلى شِعب من شعاب مكة هو شِعب أبي طالب، حيث قاسوا الجوع.
عام الحزن ورحلة الطائف (619 م)
وبعد رفع المقاطعة بقليل، نحو سنة 619 م، وهي السنة العاشرة من البعثة، فقد النبي ﷺ في مدة وجيزة سنديه الكبيرين: عمه أبا طالب وزوجته خديجة (رضي الله عنها)، فعُرفت تلك السنة بعام الحزن. ولما فقد حماية قومه، خرج إلى الطائف، على نحو 100 كيلومتر جنوب شرق مكة، ومعه زيد بن حارثة، يدعو ثقيفًا إلى الإسلام. فردّوه ردًّا قبيحًا، وأغروا به عبيدهم وصبيانهم فطردوه ورجموه بالحجارة.
ولما سألته عائشة (رضي الله عنها) بعد ذلك عن أشدّ ما لقي، ذكر هذا اليوم بوصفه أشدّ ما لقيه من قومه. وفي طريق العودة عرض عليه ملك الجبال أن يُطبق على من ردّوه الأخشبين، وهما الجبلان المحيطان بمكة، فأبى وقال: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (رواه البخاري برقم 3231). وذكر ابن إسحاق أنه لقي في الطائف أيضًا غلامًا نصرانيًا من أهل نينوى اسمه عدّاس، قدّم له قطفًا من عنب وآمن به. ولم يستطع أن يدخل مكة إلا في جوار رجل من أشرافها لم يكن مسلمًا، هو المطعم بن عدي.
الإسراء والمعراج
وفي تلك السنوات العصيبة كانت رحلة الإسراء والمعراج: ففي ليلة واحدة أُسري بالنبي ﷺ من مكة إلى بيت المقدس، فصلّى فيه، ثم عُرج به إلى السماوات العلى. وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: 1]. وفي هذه الرحلة فُرضت الصلوات، خمسين أولًا، ثم خُفّفت إلى خمس بأجر خمسين (رواه البخاري برقم 349). ولا يُعرف تاريخها على وجه اليقين: فالعلماء يجعلونها بين السنة العاشرة من البعثة والسنة التي سبقت الهجرة، أما ليلة السابع والعشرين من رجب، التي يُحتفى بها كثيرًا، فلا تستند إلى مصدر ثابت. ولتعلّم أداء هذه الصلوات، راجع دليلنا في الصلاة.
بيعتا العقبة (620-622 م)
وكان النبي ﷺ يغتنم موسم الحج ليعرض الإسلام على القبائل الوافدة. ففي نحو سنة 620 م أسلم ستة نفر من أهل يثرب من الخزرج. وفي العام التالي بايعه اثنا عشر رجلًا من أهل يثرب عند العقبة قرب منى، وهي بيعة العقبة الأولى، فبعث معهم مصعب بن عمير (رضي الله عنه) يعلّمهم القرآن. وفي سنة 622 م جاءه سرًّا 73 رجلًا وامرأتان، إحداهما نسيبة بنت كعب، فبايعوه بيعة العقبة الثانية، وعاهدوه على أن يمنعوه مما يمنعون منه أهليهم. وهكذا انفتح طريق الهجرة.
الهجرة من مكة إلى المدينة (622 م)
فأخذ مسلمو مكة يهاجرون إلى يثرب خفيةً، جماعاتٍ صغيرة. وخشي زعماء قريش أن تقوم للمسلمين جماعة بعيدة عن متناولهم، فأجمعوا على التخلص من النبي ﷺ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: 30]. وتذكر كتب السيرة أن عليًّا (رضي الله عنه) بات في فراشه ليموّه على المتآمرين، بينما خرج النبي ﷺ من مكة مع أبي بكر (رضي الله عنه).
واختبأ الصاحبان ثلاث ليال في غار بجبل ثور جنوب مكة، وقد جهّزت لهما أسماء بنت أبي بكر الزاد، وكان أخوها عبد الله يبيت عندهما ثم يأتيهما بأخبار قريش (رواه البخاري برقم 3905). ويذكر القرآن الكريم تلك اللحظة حين اقترب الطالبون من الغار، فقال النبي ﷺ لصاحبه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]. ثم سلكا إلى يثرب طريقًا غير مألوفة، يقودهما دليل لم يكن مسلمًا لكنهما ائتمناه، ونجوا من سراقة بن مالك الذي خرج في طلبهما طمعًا في الجائزة التي جعلتها قريش لمن يأتي بهما.
وفي ربيع الأول، الموافق لشهر سبتمبر 622 م، بلغ النبي ﷺ قباء على مشارف يثرب، فأسّس بها مسجدًا يُعدّ أول مسجد في الإسلام، وأقام بها أيامًا (أربع عشرة ليلة في رواية أنس التي أخرجها البخاري برقم 3932)، ثم دخل المدينة وسط فرحة أهلها. وبركت ناقته في أرض ليتيمين من بني النجار، فاشتراها ليبني عليها مسجده، ونزل مدة في دار أبي أيوب الأنصاري (رضي الله عنه). وصار اسم يثرب «مدينة النبي»، أو «المدينة» اختصارًا.
وقد بلغ من أثر الهجرة أن جعلها الصحابة مبدأ التقويم الإسلامي. ففي خلافة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، نحو سنة 17 هـ (638 م)، اختاروا أن يؤرّخوا لا بمولد النبي ﷺ ولا ببعثته ولا بوفاته، بل بمقدمه المدينة (رواه البخاري برقم 3934). ويبدأ العام الأول من التقويم الهجري بالأول من المحرم، الموافق بحسب المقابلة المعتادة 16 يوليو 622 م.
المدينة المنورة والمجتمع الأول (622-624 م)
كانت تسكن المدينة قبيلتان عربيتان كبيرتان طال بينهما التنافس، هما الأوس والخزرج، إلى جانب عدة قبائل يهودية، منها بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. فأقام فيها النبي ﷺ مجتمعًا جديدًا. وآخى بين المهاجرين القادمين من مكة والأنصار من أهل المدينة، فكان كل أنصاري يؤوي مهاجرًا ترك وراءه كل شيء. وصار المسجد، وهو بناء بسيط جدرانه من اللبِن وسقفه من جريد النخل، مكانًا للصلاة والتعليم وإيواء الفقراء وتدبير شؤون الجماعة. وكان بلال (رضي الله عنه) يؤذّن فيه للصلاة.
وحفظ ابن إسحاق نصّ عهدٍ يسميه المؤرخون «صحيفة المدينة» أو «وثيقة المدينة». وهو يجعل المؤمنين من أهل مكة والمدينة أمة واحدة، ويضع قواعد للتكافل والديات والدفاع المشترك، ويعترف للقبائل اليهودية الحليفة بدينها مع إشراكها في الدفاع عن المدينة، ويجعل النبي ﷺ مرجعًا في فضّ النزاعات. ويختلف الباحثون في تاريخها الدقيق وفي وحدة نصّها، إذ قد تكون مجموعة من مواثيق متتابعة، لكن صحتها في الجملة مقبولة على نطاق واسع.
وفي السنة الثانية من الهجرة تقرّرت أركان مهمة من العبادة. فبعد ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر من الصلاة نحو بيت المقدس، حُوّلت القبلة إلى الكعبة: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] (رواه البخاري برقم 399). وفُرض صيام شهر رمضان، وكذلك زكاة الفطر، ونُظّمت الزكاة تدريجيًا.
الغزوات الكبرى (624-627 م)
كان المسلمون قد أُخرجوا من مكة وسُلبت أموالهم. وفي المدينة نزل الإذن لهم بالقتال دفاعًا عن أنفسهم: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحجّ: 39]. فبدأت مرحلة من المواجهة مع قريش، تخللتها سرايا وغزوات، أكبرها ثلاث.
غزوة بدر (624 م)
في رمضان من السنة الثانية للهجرة (مارس 624 م) خرج النبي ﷺ في عدد يزيد قليلًا على 310 رجال (رواه البخاري برقم 3957) لاعتراض قافلة كبيرة لقريش يقودها أبو سفيان. فنجت القافلة، لكن قريشًا كانت قد أرسلت جيشًا من نحو 1,000 رجل. والتقى الجمعان في السابع عشر من رمضان عند آبار بدر، جنوب غرب المدينة. وعلى قلة عدد المسلمين كان النصر حليفهم: فقُتل من المشركين سبعون، منهم أبو جهل، وكان من أشد أعداء الإسلام، وأُسر سبعون (رواه البخاري برقم 3986)، واستُشهد من المسلمين أربعة عشر. وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: 123]. وأُطلق أكثر الأسرى مقابل الفداء.
غزوة أحد (625 م)
وبعد عام، في شوال من السنة الثالثة (مارس 625 م)، عادت قريش في نحو 3,000 رجل لتثأر لبدر. فخرج إليهم النبي ﷺ في نحو 1,000 مقاتل، لكن عبد الله بن أُبيّ، رأس المنافقين في المدينة، رجع بنحو ثلث الجيش. وعند جبل أحد جعل النبي ﷺ خمسين من الرماة على تلّ صغير بإمرة عبد الله بن جبير، وأمرهم ألّا يبرحوا مكانهم مهما حدث (رواه البخاري برقم 3039). وكانت الغلبة للمسلمين في أول الأمر، فلما ظنّ أكثر الرماة أن النصر قد تمّ نزلوا يجمعون الغنائم. فالتفّ فرسان قريش بقيادة خالد بن الوليد حول التل وأخذوا المسلمين من خلفهم. واستُشهد نحو سبعين من الصحابة، منهم حمزة (رضي الله عنه)، وأصيب النبي ﷺ نفسه فشُجّ رأسه وكُسرت رباعيته (رواه مسلم برقم 1791). وتتناول سورة آل عمران دروس هذه المحنة بإسهاب: الطاعة، والثبات، والتحرر من الطمع في الغنيمة.
غزوة الخندق (627 م)
وفي السنة الخامسة (627 م) ألّفت قريش حلفًا واسعًا مع قبائل من الأعراب ومع زعماء بني النضير اليهود، الذين أُجلوا عن المدينة قبل ذلك بعام: فزحف نحو 10,000 رجل على المدينة، ولم يكن المدافعون عنها يزيدون على 3,000 تقريبًا. وأشار سلمان الفارسي (رضي الله عنه)، وهو صحابي من أصل فارسي، في ما تذكره الرواية، بحفر خندق في الجهة التي كانت المدينة فيها مكشوفة للخيل، فحفره المسلمون، وكان النبي ﷺ نفسه ينقل التراب معهم (رواه البخاري برقم 4106). ودام الحصار من أسبوعين إلى نحو شهر بحسب المصادر، ثم دفع البردُ والخلافُ بين الأحزاب وريحٌ عاتية المحاصرين إلى الرحيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: 9]. ومن هذه الواقعة أخذت سورة الأحزاب اسمها.
وفي تلك السنوات ساءت العلاقات مع القبائل اليهودية في المدينة، وكانت تربطها بالمسلمين عهود. فبحسب المصادر الإسلامية، أُجلي بنو قينقاع (في السنة 2 هـ)، ثم بنو النضير (في السنة 4 هـ) بعد أن نقضوا عهودهم. وبعد حصار الخندق، حوصر بنو قريظة بدورهم، وقد اتُّهموا بمفاوضة الأحزاب في أثناء الحرب؛ وجُعل الحكم في أمرهم إلى سعد بن معاذ، سيد الأوس حلفائهم القدماء، فحكم بقتل مقاتليهم وسبي نسائهم وذراريهم. وهذه الأحداث، التي رواها ابن إسحاق مفصّلة، محلّ نقاش بين المؤرخين، ولا سيما في عدد القتلى.
صلح الحديبية (628 م)
في ذي القعدة من السنة السادسة (مارس 628 م)، وعلى إثر رؤيا رآها، خرج النبي ﷺ معتمرًا في نحو 1,400 من أصحابه (رواه البخاري برقم 4154)، محرمين، يسوقون الهدي. فصدّتهم قريش عن البيت. فنزلوا بالحديبية على طرف الحرم، وبعث النبي ﷺ عثمان بن عفان (رضي الله عنه) ليفاوض قريشًا؛ فشاع أنه قُتل، فبايع الصحابة النبيَّ ﷺ تحت الشجرة بيعةً سُمّيت «بيعة الرضوان»: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18].
ثم عُقد الصلح أخيرًا مع سهيل بن عمرو مندوب قريش: هدنة عشر سنين، وأن يرجع المسلمون إلى المدينة عامهم ذلك، على أن يعودوا في العام المقبل لأداء العمرة. وبدت بعض الشروط مجحفة حتى اغتمّ كثير من الصحابة، وتباطؤوا في امتثال الأمر بنحر هديهم. فأشارت عليه زوجته أم سلمة (رضي الله عنها)، فخرج فنحر هديه ودعا حالقه فحلق رأسه دون أن يكلّم أحدًا، فقاموا جميعًا فاقتدوا به (رواه البخاري برقم 2731). وفي طريق العودة نزلت سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1]. وقد أتاح السلم فعلًا انتشار الإسلام سريعًا في الجزيرة العربية.
وفي الأشهر التالية بعث النبي ﷺ رسائل إلى الملوك المجاورين يدعوهم إلى الإسلام، منهم هرقل ملك الروم (رواه البخاري برقم 7)، وكسرى ملك فارس، والمقوقس حاكم مصر، والنجاشي. وفي السنة السابعة (628 م) دخلت واحة خيبر تحت سلطان المسلمين، وكان بنو النضير قد نزلوها، وأسهم زعماؤها في تأليب الأحزاب. وفي ذي القعدة من السنة نفسها، بعد عام من الصلح، أدّى المسلمون العمرة التي نصّ عليها، وهي «عمرة القضاء».
فتح مكة (630 م)
في السنة الثامنة أغارت بنو بكر، حلفاء قريش، ليلًا على خزاعة حلفاء المسلمين، وأعانهم بعض رجال قريش، فانتقض الصلح. وفي رمضان من السنة الثامنة (أواخر 629 م أو يناير 630 م بحسب طرق التحويل)، سار النبي ﷺ إلى مكة في 10,000 رجل (رواه البخاري برقم 4276). فخرج إليه أبو سفيان، زعيم قريش، وأسلم. وأمر النبي ﷺ أن يُنادى: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» (رواه مسلم برقم 1780)، فلزم أهل مكة بيوتهم.
ودخل المسلمون مكة دون قتال يُذكر. فحطّم النبي ﷺ الأصنام التي كانت حول الكعبة، وعددها 360 صنمًا، وهو يتلو: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81] (رواه البخاري برقم 4287). وكان الذين آذوه سنين طويلة يتوقّعون أسوأ المصير، فعفا عنهم عفوًا عامًّا، إلا نفرًا قليلًا ارتكبوا جرائم عظيمة، عُفي عن عدد منهم بعد ذلك. وصعد بلال (رضي الله عنه) على ظهر الكعبة فأذّن للصلاة.
وفي الأشهر التالية واجه المسلمون هوازن في غزوة حنين (8 هـ)، ثم قاد النبي ﷺ جيشًا كبيرًا إلى تبوك، على تخوم الدولة البيزنطية (9 هـ / 630 م). وسُمّيت السنة التاسعة «عام الوفود»، إذ قدمت القبائل من أنحاء الجزيرة العربية إلى المدينة تبايع وتتعلم الإسلام.
حجة الوداع (632 م)
في ذي الحجة من السنة العاشرة (مارس 632 م)، أدّى النبي ﷺ الحجة الوحيدة التي حجّها بعد الهجرة، في جمع غفير تقدّره المصادر التقليدية بأكثر من 100,000 إنسان. وفي هذه الحجة تقرّرت المناسك التي يتبعها المسلمون إلى اليوم، وقد وصفها الصحابي جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) وصفًا مفصّلًا (رواه مسلم برقم 1218)، ونعرضها في صفحتنا عن الحج والعمرة. وفي التاسع من ذي الحجة، بعرفة، ألقى خطبته المشهورة:
«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا … وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ … فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ … وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللَّهِ» (رواه مسلم برقم 1218)
وفي ذلك اليوم نفسه، وكان يوم جمعة، نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3] (رواه البخاري برقم 45).
مرض النبي ﷺ ووفاته (632 م)
ولما رجع النبي ﷺ إلى المدينة مرض في أواخر صفر أو أوائل ربيع الأول من السنة الحادية عشرة. واشتدت عليه الحمّى وأصابه صداع شديد، فاستأذن أزواجه في أن يُمرَّض في بيت عائشة (رضي الله عنها)، وأمر أبا بكر (رضي الله عنه) أن يصلي بالناس. وتُوفّي يوم الاثنين من ربيع الأول سنة 11 هـ (في الثاني عشر منه بحسب القول الأشهر)، الموافق في الغالب 8 يونيو 632 م، وهو ابن ثلاث وستين سنة (رواه البخاري برقم 3536). وكان مسندًا إلى صدر عائشة، وكانت آخر كلماته: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى» (رواه البخاري برقم 4463).
ونزل الخبر بأهل المدينة نزول الصاعقة. وأنكر عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) موته، وجعل يقول إن رسول الله ﷺ لم يمت. فجاء أبو بكر (رضي الله عنه)، فكشف عن وجه النبي ﷺ وقبّله، ثم خرج إلى الناس فقال: «أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا ﷺ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ»، ثم تلا هذه الآية (رواه البخاري برقم 3667 و3668):
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144]
وروى عمر (رضي الله عنه) بعد ذلك أنه حين سمعها لم تعد رجلاه تحملانه (رواه البخاري برقم 4454). ودُفن النبي ﷺ حيث قُبض، في حجرة عائشة (رضي الله عنها)، وهي اليوم داخل المسجد النبوي بالمدينة المنورة. واختير أبو بكر (رضي الله عنه) أول خليفة، أي خلفًا له في قيادة الأمة.
أهل بيته
بعد وفاة خديجة (رضي الله عنها) تزوج النبي ﷺ سودة بنت زمعة، وكانت أرملة، ثم تزوج نساءً أخريات في سنواته بالمدينة. وتعدّ الرواية زوجاته إحدى عشرة: خديجة، وسودة، وعائشة، وحفصة، وزينب بنت خزيمة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وجويرية، وأم حبيبة، وصفية، وميمونة (رضي الله عنهن)، وقد توفي عن تسع منهن. وكلهن، إلا عائشة، سبق لهن الزواج، وكان لعدد من هذه الزيجات بُعد اجتماعي أو سياسي، إذ وثّقت تحالفات أو آوت أرامل نزلت بهن المحن. ويسميهن القرآن الكريم أمهات المؤمنين: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6]. وأنجبت له مارية القبطية، التي أهداها إليه حاكم مصر، ابنًا هو إبراهيم، تُوفّي صغيرًا.
أما سائر أولاده فمن خديجة، ولم تعش بعده منهم إلا فاطمة (رضي الله عنها)، نحو ستة أشهر (رواه البخاري برقم 4240 و4241). وكانت زوجة علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، وأمّ الحسن والحسين (رضي الله عنهما)، ومنهما يتصل نسل النبي ﷺ. وللتعرف على مكانة خديجة وعائشة وفاطمة وغيرهن من أعلام النساء في الإسلام، انظر مقالنا عن المرأة في الإسلام.
القدوة الحسنة للمؤمنين
يصف القرآن الكريم النبي ﷺ بأنه أُرسل رحمة للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، ويقول له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. ولما سُئلت عائشة (رضي الله عنها) عن خلقه قالت: «فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ كَانَ الْقُرْآنَ» (رواه مسلم برقم 746). ويصفه من عاشروه رجلًا متواضعًا قريبًا من الناس: كان في بيته «فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ»، أي في خدمتهم (رواه البخاري برقم 676)، ولم يضرب بيده امرأة ولا خادمًا قط (رواه مسلم برقم 2328)، وكان يشاور أصحابه ويعفو عنهم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].
وهو عند المسلمين ليس إلهًا ولا واسطةً تُعبد، بل بشر اصطفاه الله لرسالته، كما قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40]، وفي سيرته بيان لكيفية عيش الإيمان: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]. ولذلك تقرن الشهادتان بين الشهادة لله بالوحدانية والشهادة لمحمد ﷺ بالرسالة.
ومحبة النبي ﷺ تعني أولًا اتباع هديه: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31]. وسنّته تدعو كل إنسان إلى التقرب إلى الله بالصلاة والإحسان والعدل؛ وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» (رواه البخاري برقم 6502). ولمواصلة القراءة، اطّلع على مختارات من الأحاديث النبوية الصحيحة.