Islamzoom

رمضان 2027/1448

«سيدنا رمضان»، قصيدة في استقبال شهر رمضان

بمناسبة شهر رمضان، طلبنا من شاعرة مغربية شابة، اسمها نور، أن تكتب أبياتًا عن هذا الشهر، شهر الرحمة والسكينة. فجاءت قصيدتها تحكي، بحنان وخفّة ظلّ، انتظار «سيدنا رمضان» في بيت مغربي: البيت الذي يُهيَّأ، والمطابخ التي تفوح روائحها، والأطفال الذين نفد صبرهم، والعزائم الحسنة… وسؤالًا يبقى معلّقًا بعد انقضاء العيد. كتبت نور قصيدتها بالفرنسية، وننشر هنا صياغة عربية لها نظمًا، تحافظ على صورها وروحها، تليها شروح موجزة للكلمات المغربية الواردة فيها.

القصيدة

انتهى الحَدْسُ والتخمينُ في أمرِ الهلالْ،
وعلى الجدرانِ تقاويمُ تعدُّ الليالي على التَّوالْ.
وبعدَ «الشعبانةِ»، بحلواها وشايِها المعطَّرْ،
وأكفٍّ بالحنّاءِ تُزهِرُ، وأمسياتٍ بالبهجةِ تُسفِرْ،
ها هو «سيدنا رمضان» قادمٌ، يقتربُ على مَهَلْ…
أجلْ، فقد مضى عامٌ آخرُ من دنيانا وارتحلْ.

والنساءُ، قبلَ الأوانِ بزمنٍ، أعدَدْنَ كلَّ شيءٍ بإتقانْ:
فالبيوتُ تلمعُ نظافةً، والمؤونةُ في الرفوفِ بأمانْ،
والمطابخُ تفيضُ بالحلوى وبالتوابلِ وأصنافِ البهارْ،
و«الحريرةُ» قد أُعِدَّ كلُّ ما يلزمُها لتُغرَفَ ساعةَ الإفطارْ:
طماطمُ وكزبرةٌ، وحِمّصٌ وعدسٌ، وسائرُ المكوّناتْ،
والتمرُ طبعًا… فأحسنتُنَّ يا أمّهاتُ ويا بناتْ!
و«الشبّاكيّةُ» تقطرُ عسلًا، ويكسوها سمسمٌ يلمعُ كالضياءْ،
واللوزُ، مَلِكُ الحلوى، تفوحُ منه روائحُ السماءْ؛
وفي عُلَبِها المختومةِ تنتظرُ الحلوى ساعتَها في صبرْ،
وقوائمُ السحورِ جاهزةٌ من زمنٍ، مكتوبةٌ سطرًا بعدَ سطرْ.
ما أحلى أن نطيلَ المُكثَ في تلك المطابخِ الزاهيةِ الألوانْ،
حيث يسري في الهواءِ شذا القرفةِ وعِطرُ اليانسونِ الفتّانْ!
والصغارُ يحومون حولَ الحلوى المخبّأةِ في الخفاءْ،
فخورين بأنهم صاموا قبلُ أكثرَ من يومٍ حتى المساءْ،
ويتواعدون همسًا أن يصمدوا أطولَ ممّا صمدوا العامَ الماضي في النهارْ،
حتى يحينَ المغربُ، تمامًا كالكبارْ.

دعواتُ الفطورِ أُرسِلتْ منذ مدّةٍ إلى الأحبابْ،
وأوراقُ «الروندا» و«الرامي» جاهزةٌ لسهرةِ الأصحابْ؛
وتُفحَصُ الجلابيبُ والقنادرُ والأوشحةُ بعنايةٍ وانتباهْ،
ويُستخرَجُ التراثُ من أعماقِ الخزائنِ ليعودَ إلى الحياةْ.
والرياضيّون ينظّمون مسيراتٍ وماراثوناتٍ في كلِّ موضعْ،
ويتحدّى بعضُهم بعضًا أن يصمدَ حتى يُدوّيَ المِدفعْ.

وفي العملِ أُعيدَ ترتيبُ المواعيدِ والدوامْ،
وبطءُ رمضانَ يُقلقُ المديرين ويُطيّرُ من عيونِهمُ المنامْ:
في كلِّ عامٍ يقولون: الأجدرُ أن نُغلِقَ حتى ينقضيَ الصيامْ!
أمّا الموظّفون فيقضون نهارَهم سارحين في الأحلامْ،
يُشعلون لأتفهِ سببٍ نقاشاتٍ حاميةً بلا ختامْ،
ويصفون أطباقًا تُسيلُ لُعابَ السامعين،
ثم يتسلّلون جميعًا قبلَ الموعدِ بقليلٍ، هادئين،
إلى القيلولةِ أو إلى الصلاةِ، في لُطفٍ ولِين.

كم منّا يَعِدُ نفسَه بأن يتغيّرْ،
ويتّخذُ، كما في رأسِ السنةِ، ألفَ قرارٍ وقرارْ؟
أن يُقلعَ عن التدخينِ، ويُحسِنَ غذاءَه، ويُصلِحَ من نفسِه ما تعثّرْ،
وأن يجدَ لهمومِه أخيرًا حلولًا بعدَ طولِ انتظارْ…
هذا يريدُ أن يبدأَ الصلاةَ، أو يعودَ إليها بعدَ انقطاعْ،
وذاك يُقسِمُ أن يُكثِرَ من الصدقةِ ما استطاعْ.
فيا لَلدفءِ، ويا لَلرحمةِ، ويا لَلتقوى في كلِّ ساجدْ،
ويا لَلخواطرِ الطيّبةِ تجتمعُ كلُّها في شهرٍ واحدْ!

ما أجملَها من أجواءٍ يا أصدقائي! ولكنْ، أيُعقَلُ
ألّا تزورَنا إلا مرّةً في العامِ ثم ترحلُ؟
أَيصعبُ علينا حقًّا أن نحفظَ في العمرِ كلِّهْ
روحَ رمضانَ، وما فيه من لُطفٍ لا حدَّ لهْ؟
هيّا نحاولْ، مرّةً أخرى: ها هو ذا قد حلَّ، سيدنا…
رمضانْ.

نور – واشنطن

شرح الكلمات المغربية

  • سيدنا رمضان: أي «سيّدنا رمضان»، وهكذا يستقبل المغاربة الشهر كأنه ضيف عزيز كريم. وكلمة «سيدنا» هنا لقب تشريف وتوقير، كقولهم «سيدي» للرجل و«لالّة» (أي السيّدة) للمرأة، وليست من ألفاظ العبادة في شيء.
  • الشعبانة (وجمعها الشعبانات): حفلة عائلية أو بين الجارات تُقام في شهر شعبان قبيل رمضان، يُقدَّم فيها الشاي والحلويات، ويكون فيها الإنشاد ونقش الحنّاء.
  • الحريرة: الحساء الأشهر على مائدة الإفطار المغربية، يُطهى بالطماطم والعدس والحمّص والكرفس والأعشاب الطازجة (الكزبرة والبقدونس)، ويُضاف إليه في الغالب قليل من اللحم، ويُكثَّف بالدقيق.
  • الشبّاكية: حلوى على شكل وردة، معطّرة باليانسون والقرفة، تُقلى ثم تُغمس في العسل وتُغطّى بالسمسم.
  • السلّو (ويُسمّى أيضًا «السفوف»): خليط من الدقيق المحمّص واللوز والسمسم، يُعجن بالزبدة والعسل. يُحضَّر مسبقًا ويُحفظ في علب محكمة الإغلاق، وهي «العلب المختومة» التي تذكرها القصيدة.
  • الفطور: اسم الإفطار في الدارجة المغربية، أي الوجبة التي يُفطر عليها الصائم عند غروب الشمس. أما السحور فهو الطعام الذي يُتناول قبل الفجر.
  • الروندا والرامي: لعبتان من ألعاب الورق («الكارطة» بالدارجة) شائعتان جدًا في المغرب، يلعبهما أفراد الأسرة أو الأصدقاء في سهرات رمضان.
  • الجلّابة (وهي «الجلابيب» في القصيدة): ثوب طويل فضفاض ذو قلنسوة، يلبسه الرجال والنساء. والقندورة (وجمعها القنادر): ثوب طويل خفيف بلا قلنسوة.
  • المدفع: في بعض المدن تُعلن طلقة مدفع، أو صفّارة في أيامنا هذه، حلول وقت الإفطار.

رمضان في المغرب: عادات وتقاليد

تستحضر قصيدة نور عادات تعرفها الأسر المغربية جيدًا. فالشهر يُعلن عن قدومه منذ شعبان، مع «الشعبانات» والاستعدادات الكبرى: تنظيف البيت من أعلاه إلى أسفله، وتخزين المؤونة، وإعداد الحلويات قبل أسابيع. ويتوقّف بدء الصيام على رؤية الهلال، التي تعلنها كل سنة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية؛ وتجد توقّعاتنا في الصفحة المخصّصة لـموعد بداية رمضان في المغرب.

وعلى مائدة الفطور تجتمع في الغالب التمور والحليب والحريرة والشبّاكية والبيض المسلوق، تليها في وقت لاحق وجبة أكمل. وتجد بعض هذه الأطباق في وصفات رمضان على موقعنا. وتُخصَّص الأمسيات للزيارات والسهرات العائلية وصلاة التراويح، التي يرتدي لها كثيرون الجلّابة. وفي بعض المدن العتيقة، ما زال «النفّار» يجوب الأزقّة قبل الفجر نافخًا في بوقه الطويل ليوقظ الناس للسحور. وفي كثير من الأسر تكون الليلة السابعة والعشرون، التي يرجو كثيرون أن تكون ليلة القدر، مناسبة للاحتفاء بالأطفال الذين صاموا لأول مرة.

الحفاظ على روح رمضان

تنتهي القصيدة بسؤال: لماذا كل هذا الدفء وهذه الصلاة وهذا الكرم مرة واحدة في العام فقط؟ وفي السنة النبوية جواب عنه بنصيحة بسيطة، فقد أخبر النبي ﷺ، في حديث عائشة (رضي الله عنها)، أنّ «أَحَبَّ الأَعْمَالِ أَدْوَمُهَا إِلَى اللَّهِ، وَإِنْ قَلَّ» (رواه البخاري برقم 6464). فبدلًا من أن نترك كل شيء بعد العيد، يمكننا أن نحافظ على عادة واحدة وُلدت في هذا الشهر: صلاة أكثر خشوعًا، أو صفحة من القرآن الكريم، أو صدقة منتظمة. ولتغتنم الشهر وما بعده على أحسن وجه، اقرأ أيضًا نصائحنا في كسب الحسنات في رمضان، ودليلنا الشامل لشهر رمضان.

↑ ↓ للتنقل↵ للفتحEsc للإغلاق