Islamzoom

رمضان 2027/1448

تنظيم الغذاء خلال شهر رمضان

في رمضان لا يأكل الصائم ولا يشرب إلا من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. وهذا التغيير في الإيقاع لا خطر فيه على الشخص السليم، بشرط تنظيم الوجبات تنظيمًا جيدًا. غير أنّ الإغراء كبير بالإقبال على الحلويات والمقليات عند الإفطار، ثم ترك السحور لكسب قليل من النوم. إليك نصائح بسيطة، موافقة لسنة النبي ﷺ ولتوصيات الهيئات الصحية، لتقضي الشهر في عافية. وهي موجّهة إلى البالغين الأصحاء: فإن كنت مريضًا أو تتلقى علاجًا، أو كنتِ حاملًا، فاقرأ أولًا القسم الأخير.

ما الذي يتغيّر في الجسم أثناء الصيام؟

تتراوح مدة الصيام، بحسب الفصل والبلد، بين نحو عشر ساعات وقرابة عشرين ساعة. وخلال هذه المدة يستمد الجسم طاقته من مخزونه من السكر ثم من الدهون، ويفقد الماء دون أن يستطيع تعويضه. والجفاف الخفيف شائع في آخر النهار: صداع، وتعب، وصعوبة في التركيز. وبحسب المؤسسة البريطانية للتغذية (British Nutrition Foundation)، فهو غير ضار إذا عُوّضت السوائل جيدًا بعد الإفطار. وكثيرًا ما تكون الأيام الأولى هي الأصعب، ريثما يتكيّف الجسم.

بل قد يكون رمضان فرصة لاكتساب عادات حسنة: الأكل ببطء، والتقليل من السكر، والإقلاع عن التدخين. وتقدّمه منظمة الصحة العالمية بالفعل فرصةً للإقلاع عن التبغ. لكنّ كل شيء يتوقف على ما نأكله بعد الغروب: فرمضان الذي قوامه الولائم المتأخرة والليالي القصيرة كثيرًا ما ينتهي بزيادة الوزن والإرهاق الشديد.

الإفطار: تمرات وماء، ثم وجبة حقيقية

تقدّم السنة النبوية هنا منطلقًا ممتازًا. قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَعَلَى تَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» (رواه أبو داود برقم 2356، والترمذي برقم 696، وقال الألباني: حسن صحيح). وكان النبي ﷺ يحث على تعجيل الفطر، فقال: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» (رواه البخاري برقم 1957، ومسلم برقم 1098).

وخبراء التغذية لا يقولون غير ذلك. فالتمر يمدّ الجسم سريعًا بالسكريات الطبيعية والألياف والمعادن كالبوتاسيوم، وينصح المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط بتناول ثلاث تمرات عند الإفطار. وخلافًا لفكرة شائعة كانت النسخة القديمة من هذا المقال تتبنّاها، لا يوجد إذن ما يدعو إلى تجنّب التمر: يكفي الاقتصار على بضع تمرات. ثم اشرب كوبًا أو كوبين من الماء دون تعجّل.

والحساء هو المكمّل المثالي: فالحريرة المغربية (حساء تقليدي بالطماطم والعدس والحمص) أو الشوربة، الغنيتان بالخضراوات والبقوليات، تعيدان الترطيب وتسكّنان الجوع. ثم اغتنم صلاة المغرب لتأخذ استراحة، فتستيقظ المعدة ويستقر الإحساس بالشبع. ويمكن أن تلي ذلك الوجبة الرئيسية، ويُفضَّل أن تتكوّن من:

  • نصف الطبق على الأقل من الخضراوات، نيئة أو مطبوخة؛
  • النشويات، ويُفضَّل أن تكون من الحبوب الكاملة: خبز الحبوب الكاملة، والكسكس، والأرز، والمعكرونة، والبطاطس، والبرغل؛
  • حصة من البروتينات: السمك، أو الدواجن، أو اللحم قليل الدهن، أو البيض، أو البقوليات؛
  • ثمرة فاكهة أو أحد مشتقات الحليب للتحلية.

أمّا طرق الطهي، فتوصي منظمة الصحة العالمية بالشوي أو الخَبز في الفرن أو الطهي على البخار أو في المرق بدلًا من القلي، وبالأكل ببطء لتجنّب الإفراط، فالوجبات المفرطة تسبب حرقة المعدة والانزعاج. ولنتذكّر أيضًا أنّ الخضراوات ليست من النشويات: فلكلٍّ منهما مكانه في الطبق. ولبلوغ هدف خمس حصص على الأقل من الفاكهة والخضراوات يوميًّا، فكّر في السلطات والحساء والفاكهة الطازجة للتحلية.

السحور، الوجبة التي لا ينبغي تفويتها

يتطلب الاستيقاظ قبل الفجر جهدًا، لكنّ السحور أساسي. قال النبي ﷺ: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» (رواه البخاري برقم 1923، ومسلم برقم 1095)، وكان يؤخّره: فقد أخبر زيد بن ثابت رضي الله عنه أنهم تسحّروا مع النبي ﷺ ثم قام إلى الصلاة، وكان بين السحور والأذان قدر قراءة خمسين آية (رواه البخاري برقم 1921). وتوصي منظمة الصحة العالمية هي الأخرى بعدم تفويته، ولا سيما لكبار السن والمراهقين والحوامل والمرضعات، وبتأخيره قدر الإمكان. وكانت النسخة القديمة من هذا المقال تقول عكس ذلك، وكان ذلك خطأ.

ينبغي أن يمدّ السحور الجسم بالطاقة حتى المساء، فاعتمد فيه على:

  • كربوهيدرات بطيئة الهضم وغنية بالألياف: رقائق الشوفان، وخبز الحبوب الكاملة، والكسكس، والمسمن أو الحرشة (من الفطائر والخبز المغربي التقليدي) بكمية معقولة، والبقوليات؛
  • البروتينات: البيض، والزبادي، والجبن الأبيض الطري، واللبن الرائب، والجبن؛
  • أطعمة غنية بالماء: الفاكهة، والخيار، والطماطم؛
  • الماء، يُشرب بهدوء، دون ابتلاع لتر دفعة واحدة قبيل الفجر.

وتجنّب في السحور الأطعمة شديدة الملوحة (اللحوم المصنّعة، والزيتون، والأجبان المالحة، والأطباق الجاهزة)، لأن الملح يسبب العطش، وكذلك الحلويات شديدة الحلاوة، التي ترفع سكر الدم ثم تخفضه بسرعة، فتشعر بالجوع مبكرًا في الصباح.

شرب الماء بين الإفطار والسحور

الترطيب هو التحدي الأكبر في أيام الصيام الطويلة. ولإعطاء فكرة عن الكميات، تقدّر الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية (EFSA) الكمية الكافية من الماء بلترين يوميًّا للمرأة و2.5 لتر للرجل، بما في ذلك ما يأتي من الطعام (نحو 20% من الماء مصدره الغذاء). وينصح المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بشرب 10 أكواب من الماء على الأقل بين الإفطار والسحور، وأكثر في الحر الشديد.

والأنجع هو التوزيع: كوب أو كوبان عند الإفطار، ثم كوب كل ساعة تقريبًا خلال السهرة، وكوب أو كوبان عند السحور. والحساء والبطيخ والشمام والسلطات واللبن الرائب تسهم أيضًا في الترطيب. وأثناء النهار، ابقَ في مكان بارد وفي الظل قدر الإمكان. والبول الداكن والدوار والصداع المستمر من علامات الجفاف.

الشاي والقهوة والمشروبات المحلاة

الشاي بالنعناع والقهوة من مكوّنات سهرات رمضان. وتنصح منظمة الصحة العالمية بالحدّ من المشروبات المحتوية على الكافيين، كما أنّ الانقطاع المفاجئ عنها يسبب غالبًا لمن يكثرون منها صداعًا في الأيام الأولى من الصيام. ومع ذلك تُظهر الدراسات أنّ القهوة بكميات معتدلة لا تسبب جفافًا يُذكر لدى من اعتادوا شربها. فالموقف المعقول إذن هو:

  • التقليل التدريجي من القهوة والشاي خلال الأسابيع التي تسبق رمضان، لتجنّب صداع البداية؛
  • شربهما باعتدال، دون جعلهما المشروب الرئيسي، فالماء هو الذي ينبغي أن يغلب؛
  • تجنّب القهوة القوية في آخر الليل، لأنها تقصّر نومًا قصيرًا أصلًا.

أمّا المشروبات الغازية وعصائر الفاكهة المصنّعة والشاي شديد التحلية فتمدّ الجسم بكثير من السكر دون أن تروي العطش حقًّا. ففضّل عليها الماء واللبن الرائب والمنقوعات العشبية، أو عصيرًا طبيعيًّا من حين إلى آخر.

المقليات والحلويات والكميات

البريوات (معجنات رقيقة محشوة) والشباكية (حلوى مقلية مغموسة في العسل) والمسمن والفطائر المقلية: موائد رمضان عامرة، ولا أحد مطالب بحرمان نفسه من هذه الأطايب التي هي جزء من فرحة الشهر. والمفتاح هو الاعتدال. وتنصح منظمة الصحة العالمية بالحدّ من الحلويات المغموسة في القطر، والمقليات، والأطعمة المصنّعة الغنية بالدهون أو السكريات، وبأن تُفضَّل عليها الفاكهة الغنية بالماء كالبطيخ والشمام.

والتعاليم الإسلامية تسير في الاتجاه نفسه. قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]. وقال النبي ﷺ: «مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» (رواه الترمذي برقم 2380 وقال: حسن صحيح). فالمعدة الممتلئة تثقل الجسم، وتعيق صلاة التراويح، وتُفقد الصيام جزءًا من معناه: أن تشعر بالجوع لتفهم حال من يعانونه، ولتتقرّب إلى الله تعالى.

وإليك بعض الحيل العملية: استخدم طبقًا أصغر، وتجنّب إعادة ملء طبقك، وخصّص للحلويات وقتًا محددًا من السهرة بدلًا من تناولها طوال الليل، وشارك جيرانك فيها.

النشاط البدني والنوم

الصيام لا يفرض السكون. فالنشاط الخفيف إلى المعتدل، كالمشي، يساعد على الحفاظ على اللياقة. وأنسب الأوقات له قبيل الإفطار، لحصة قصيرة وخفيفة، أو بعد الوجبة بساعتين إلى ثلاث، حين يكتمل الهضم. وتجنّب المجهود الشديد في ساعات النهار الحارة، وتوقّف عند الشعور بالدوار. والذهاب إلى المسجد سيرًا على الأقدام لصلاة التراويح عادة حسنة في حد ذاتها.

والنوم كثيرًا ما يكون المنسيّ الأكبر في رمضان. فبين السهر والسحور تقصر الليالي: فحاول أن تنام مبكرًا بعد الصلاة، وأن تأخذ قيلولة قصيرة في النهار إن استطعت، وأن تقلّل من الشاشات والكافيين في آخر السهرة.

مثال ليوم من الوجبات

الوقتمثال
الإفطارثلاث تمرات، وكوب أو كوبان من الماء، وطبق من الحريرة أو الشوربة، ثم صلاة المغرب
وجبة المساءطاجين دجاج بالخضراوات مع قليل من خبز الحبوب الكاملة، وسلطة طماطم وخيار، وثمرة فاكهة
السهرةالماء بانتظام، ومنقوع عشبي أو شاي قليل السكر، وقطعة أو قطعتان من الحلويات
السحوررقائق الشوفان أو خبز الحبوب الكاملة، وبيضة أو جبن أبيض طري، وثمرة فاكهة، وماء

ولتنويع القوائم، استلهم الأفكار من وصفات رمضان لدينا، مع التخفيف من الزيت والسكر عند الحاجة. وتجد مواعيد الإفطار والسحور في مدينتك في صفحة مواقيت الصلاة.

من ينبغي له استشارة الطبيب قبل الصيام؟

لا يطلب الإسلام من أحد أن يعرّض صحته للخطر. فقد نصّ القرآن الكريم صراحة على الرخصة: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. وبيّن النبي ﷺ أيضًا أنّ الله تعالى وضع الصوم عن الحامل والمرضع (رواه أبو داود برقم 2408، والترمذي برقم 715، وهو حديث حسن).

تحدّث إلى طبيبك، ويُفضَّل أن يكون ذلك قبل رمضان بأسابيع، في الحالات الآتية:

  • الحمل أو الإرضاع: يُتخذ القرار حالةً بحالة مع الطبيب أو القابلة؛
  • داء السكري: راجع مقالنا رمضان وداء السكري؛
  • الأمراض المزمنة (أمراض القلب، والكلى، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الجهاز الهضمي، واضطرابات الأكل…)؛
  • العلاج اليومي: لا تعدّل أبدًا جرعات أدويتك أو مواعيدها بنفسك، واسأل طبيبك أو الصيدلي؛
  • كبر السن مع الوهن، أو العمل البدني الشاق جدًّا.

وأخيرًا، وأيًّا كانت حالتك الصحية، أفطر فورًا عند الشعور بتوعك، أو دوار شديد، أو تشوّش ذهني، أو ألم في الصدر، أو علامات جفاف شديد، ثم راجع الطبيب. وللمسائل الشرعية المتعلقة بحالتك (قضاء الأيام، والفدية)، توجّه إلى إمام أو عالم مؤهل.

↑ ↓ للتنقل↵ للفتحEsc للإغلاق